هبة حلمي: "الثورة تفجر طاقات الفن الكامنة"

نشر في‫:‬الثلثاء, ايلول 3, 2013 - 10:54
قول للزمان إرجع يا زمان | تصميم هبة حلمي
الكاتب/ة: هبة حلمي، وليد ضو.

وليد ضو: ‫كلمة تعريفية عنك، والمراحل التي مررت بها حتى اليوم، وتجربتك السياسية الشخصية.‬
‫هبة حلمي:
درستُ الرسم - قسم التصوير الزيتي- في كلية الفنون الجميلة في القاهرة. تخرجت عام ١٩٩٤، وعملت في مجال التصميم الجرافيكي (إعلانات، ثم مجال الادب والشعر والكتب)، كما شاركت في المعارض الجماعية والفردية وتتضمن التصوير والنحت والانستاليشن (أعمال مركبة). أما على مستوى السياسة، فقد كانت نقطة التحول في حياتي هي حرب الخليج الثانية (أو ما يسمونها حرب تحرير الكويت) حيث كنت في الجامعة. ويومها حاولت، كطالبة مشارِكة في فريق المسرح، أن أفتح المجال للنقاش والاعتراض. إلا أن الجامعة كانت أبعد ما يكون عن الممارسة السياسة آنذاك، والأسوأ أن البعض كان يشجع الضربات الأميركية للعراق تلك التي شاهدناها جميعا على شاشة الـ cnn. يومها، انضممت إلى - لجنة الدفاع عن الثقافة القومية- التي كانت تجتمع في مقر حزب التجمع، وذلك كمحاولة لفعل أي شيء، إلا أنني فوجئت تماما بموقف حزب التجمع (اليسار الرسمي للدولة) لأنه أغلق أبوابه بالجنازير حتى لا نتمكن من الاجتماع والتظاهر من أمامه. وبعدها، تشكلت - من خلال بعض الاصدقاء- مجموعة جنينية لليسار الثوري (التروتسكي) الذي يقدم طريق جديدة بعيدة عن الاتحاد السوفياتي كنموذج للتجربة الاشتراكية. لذا، لم يكن لدينا مشكلات فعلية لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي، واستطعنا ان نجمع بقايا اليسار المناضل لرسم طريق جديدة. كمجموعة، كنا كمن يحفر في الصخر، وكانوا يسخرون منا ويتهموننا بالعيش في الماضي.

ولأنني لم أستطعْ التأقلم مع القبح، حاولت رسم ملامح طريق جديدة من أجل حلم انساني مختلف، حلم يبشر به الفن وتبشر به الثورة، وهما وجهان لعملة واحدة بالنسبة لي. عملت كمتطوعة في تيار الاشتراكيين الثوريين سواء في الدعاية والتثقيف أو المشاركة في المطبوعات (الجريدة، والمجلة النظرية، والكتب التي نشرناها تباعا خلال ٢٣ سنة). لقد كنت أحلم بثورة وبعالم جديد. كنت أتخيل أنني نقطة في بحر قد تُغير الواقع الأليم يوماً ما، ولكنني لم أكن أبدا أفكر أنني سأعيش تلك الثورة.. وقد حدث ذلك.‬

‫ما هو موقف اليسار المصري من الفن، يمكن ملاحظة تفاوت في الاهتمام بين تيار وآخر، ما هي أسباب هذا التفاوت؟
‫موقف اليسار المصري من الفن متسع باتساع تنويعات اليسار نفسه. فهناك اليسار الستاليني الذي يرى في الفن أداة للدعاية للنظام كما أسلفت، وهناك يسار يؤمن بالفن كعملية ثورية في حد ذاتها، تُرجع الإنسان إلى أصوله الأولى كمبدع، قادر على تغيير عالمه، وبين هذا وذاك هناك وجهات نظر كثيرة. أضف إلى أن ثمة من لا يهتم بشكل خاص بالفن. أعتقد أن هذا التفاوت يرجع بالضرورة لكيفية إدراك اليسار المصري لأهمية دور الفن وتقديره أو عدم تقديره في عملية التغيير.‬

‫هل التنظيم السياسي يعيق إبداع الفنان\ة؟‬
‫لا اعتقد أن التنظيم السياسي يعيق إبداع الفنان، طالما أنه يؤمن حقاً بالثورة (التغيير، وكسر الأطر القديمة) والحرية بمعناها الواسع. فعندما نرى الفنون التي سبقت التجربة الستالينية، ونرى ما منحته الثورة من حرية للإبداع والانطلاق، يمكننا أن نؤكد أن الثورة، أو الرغبة في الثورة، قد تكون هي المحرك الحقيقي للفن. أما التجربة الستالينية، أو الفاشية الألمانية، فهي ترى الفن كأداة للدعاية السياسية المباشرة بالضرورة، ولذلك فهي تقمع الفن الذي تنعته بـ"المنحط" الذي يقاوم ولا يدخل القالب المصمم سلفاً. وفيما يخص التجربة المصرية، فمن خلال توثيقي لفن الشارع - جرافيتي الثورة المصرية- أستطيع التأكيد، وبكل ثقة، أن الثورة فجرّت طاقات الفن الكامنة وأعطته المجال للظهور والانتشار والوصول إلى المتلقي.‬

‫تحتل المرأة مكانة خاصة في الملصقات التي تصممينها، من هذا المنطلق: ما هي قراءتك لواقع المرأة في مصر، ولدورها في الثورة، خصوصاً في مواجهة التحرش الجنسي الذي تعرضَتْ وتتعرّض إليه؟‬
لم أتعرض لتحرش جنسي في الميدان، إلا إذا كنتَ تقصد التحرش اليومي في المواصلات العامة وأماكن العمل، وخلافه، وأشياء من هذا القبيل، أعني في الحياة اليومية للمرأة المصرية. لكنني شاركتُ مع مجموعات ضد التحرش في الميدان.

والهدف من التحرش هو نيّة البعض تفريغ التحرير من معناه، إذ يريدوننا خارج الميدان، لذا فقد وجبت الحماية، وهذا ما عرفته من المناضلات اللواتي عشن من التحرش الجماعي المنظم، والذي لا يريد أي أحد التكلم عنه، لا المعتدون (المنظمون منهم وغير المنظمين الذين يحتفلون بالاغتصاب الجماعي كطقس يصاحب الأعياد والفرحة والهيصة) ولا المعتدى عليهم (المرأة التي تخشى "الفضيحة" والثوري الذي لا يريد تشويه صورة ميدانه).‬

أما في الشق الثاني من السؤال فلم ألاحظ أن المرأة تحتل مكانة خاصة في تصميماتي، بالرغم من أنها تحتل مكان خاص جداً في قلبي. فالمرأة المصرية كانت، ولا زالت، في قلب الثورة، مناضلة ومبدعة وبطلة الحياة اليومية. وعندما كنت أقرأ عن الثورات الكبرى في التاريخ، كان وجود المرأة في صفوفها الأمامية قاسم مشترك. وهذا ما حدث بالفعل في مصر، فالمرأة تقود المظاهرات وتواجه الداخلية والرصاص.

و‫إذا ما اعتبرنا أن إضراب عمال شركة غزل المحلة الكبرى في ٢٠٠٩ هو بروفة الثورة المصرية، الذي بدأته عاملات المصنع عندما هتفن في العنابر "الرجالة فين الستات أهم"، يمكننا الاستخلاص بسهولة أن المرأة المصرية هي من بدأت شرارة الثورة. فهي تتقدم الصفوف وتكون أول ضحايا الثورة، بالرغم من شعارات مثل "عودي إلى بيتك، مكانك هناك" حيث يتم شيطنتها والاعتداء عليها لفظيا وجنسيا لتعود خارج النطاق العام، خارج الثورة. هذا ولن أجد مثلا أوضح من "ست البنات" التي عراها جنود الجيش المصري في التحرير عام ٢٠١١ أثناء فض اعتصام مجلس الوزراء. كانت الصورة نموذجاً فريداً لكسر الإرادة ورسالة لكل امرأة مصرية، استكملتها الفضائيات متسائلة "هي ايه اللي وداها هناك؟" أي لماذا تتظاهر؟ لماذا تعترض؟ كيف لها أن تفرض إرادتها في الشارع؟ وبالرغم من هذا نظمت النساء صفوفهن بعد ظهور صور ست البنات وتواعدن على أكبر مظاهرة نسائية حدثت منذ يناير، إن لم يكن في تاريخ الحركة النسائية المصرية، وكان لي شرف المشاركة فيها. كنا نهتف "يا عساكر يا أوباش، بنت مصر ما تتعراش" و"يا مشير، يا مشير، تعالالي على التحرير". لقد كانت المظاهرة هذه رسالة للنظام "لن تعود وسننتصر عليكم".‬

‫تتعدد مواضيع ملصقاتك، من المسألة الطائفية، إلى حكم الإخوان والعسكر، ولكن الموضوع المسيطر هو الحراك العمالي والنقابي. من هنا، وعلى الرغم من المصاعب التي تمر بها الثورة المصرية من حكم الإخوان والعسكر، ما هو دور الفنان في التحريض على تعميق الصراع الطبقي؟‬
‫كناشطة سياسية في تنظيم الاشتركيين الثوريين أرى أن الثورة لن تؤت بثمارها دون دخول الطبقة العمالية معترك المعركة، وفرض أجندة الديمقراطية المباشرة، وتكوين مجالس شعبية تُتَخذ فيها القرارات السياسية. هم من يُستغلون وهم من تباع وتشترى قوة عملهم، وهم الطبقة التي لا مصلحة لها ببقاء الوضع كما هو عليه.‬

‫إن كل يوم يمر من عمر هذه الثورة يثبت لي بشكل شخصي أن تغيير الأشخاص لا يغير شيئا في حياة البشر. يأتينا جنرالات أو ذقون أو ليبراليون يتدفأون بالبيادات العسكرية، كلهم اتفقوا معاً على الاستئثار بالثروة وهم ماضون في برنامج الخصخصة ولا يقدمون تنازلا واحدا لفقراء هذا البلد. ‬

‫كفنانة أعبر عن هذا الظلم الممتد في تاريخ الظلم الطبقي وأساعد كيفما أستطيع - من خلال الفن- على فتح الأبواب المغلقة للتفكير وتوضيح الصورة. وكما أوضحت من قبل، إن الثورة والفن وجهان لنفس الحلم، هذا الحلم البشري القديم جدا الطامح للعدل والمساواة والعيش في عالم يليق بالبشر والانسانية. وإذا أخذنا شكل البوستر - سواء المطبوع أو المنشور عبر الانترنت- كمثل للدعاية الفنية المرتبطة بالدعاية السياسية المباشرة، فنرى أنه لعب دور هام في التحريض على الإضراب والتظاهر وفضح المذابح وتكوين ونشر وجهات النظر الثورية.‬

‫كما لعب الجرافيتي، هو الآخر، دوراً أساسياً في التواصل بين الناس، وكإعلام للثورة من الشارع وإلى الشارع. إن الفنان الثوري له، وبلا أدنى شك، دور اساسي في تعميق الصراع الطبقي. فهذا هو الصراع الأساسي الذي يغلفه إعلام السلطة بكل وسائل التنكر، فيصوروه صراع ديني/علماني ثم صراع وطني/استعماري ولكن هل سيستطيعون أن يخدعوا الناس بصراعاتهم؟، هذا ما سوف يتضح في الايام القادمة.‬

‫بتاريخ ١٤ كانون الأول ٢٠١١، نُشِر ملصق لك، عنوانه "الشعب السوري ما بينذل" كما وجهت فيه تحية من ثوار مصر إلى أحرار سوريا، في المرحلة الأخيرة، يتعرض اللاجئون السوريون والفلسطينيون إلى مصر لحملة عنصرية سواء من جانب النظام أو وسائل الإعلام، اليوم ما هي الرسالة التي توجهينها إلى المصريين في هذا الشأن؟‬
‫إن الخطاب الذي تتبناه الطبقة الحاكمة المصرية اليوم شبيه، بشكل أو بآخر، بما عاشته مصر أيام عبد الناصر وشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، بالرغم من وجود فوارق رئيسية بينهما، حيث أي صوت اليوم يعلو ليقول إن قتل ١٦٠٠ إنساناً بفعل هجوم قوات الجيش المصري على المعتصمين أثناء فض اعتصام رابعة والنهضة، هو مواجهة مباشرة مع الخونة والعملاء، معللين أننا في معركة، لا مكان فيها لانتقاد العسكر، وكل من هو خارج "الصف الوطني" يساند "العدو". وهذا الكلام هو ذاته الذي استمعنا إليه على لسان جورج بوش الابن - من ليس معنا فهو ضدنا - وهو بعينه ما نعيشه في مصر الآن. إن هذه المرحلة الفاشية من تاريخ ثورتنا يصاحبها خطاب شوفيني مصري يضع كل ما هو -غير مصري- في خانة الأعداء. فحركة حماس هي التي فتحت السجون، والسوريون هم من يتمترسون في اعتصام رابعة، إنها المؤامرة الكونية ضد مصر. ومن هربوا من نيران جيش الأسد وجدوا أنفسهم في سجون العسكر في مصر. وبنظرة ليست بالدقيقة على خريطة سيناء سوف نجد الحدود المصرية الفلسطينية لا تتعدى ١٥ كيلومتراً بينما بقية الحدود هي مع الكيان الصهيوني. إن أي عاقل في هذا البلد لابد أن يسأل نفسه سؤالاً "أين إسرائيل مما يحدث في سيناء؟" لكنه سؤال يغيب وسط الهستيرية العنصرية الجماعية التي تغذيها وسائل الاعلام بوجوه النظام القديم من فلول مبارك.

أما فيما خص الملصق الذي تتحدث عنه، فقد كان في إطار التضامن مع الثورة السورية، خصوصاً وأن الثورة المصرية ليست بمعزل عن الثورات العربية، ولا يمكن لها أن تنتصر الا بحركة تضامن واسعة بين الثورات في المنطقة. وهذه هي الرسالة التي أوجهها للمصريين. الاضطهاد والظلم ليس له جنسية تماما كما الرأسمال ليس له دين. لنتحد جميعا، سوريون، فلسطينيون ومصريون، مضطهدون ومستغَلون لنعرف عدونا ونكسره.‬

لم تسجلي العام على ‫ملصق "عايزنا نرجع زي زمان" والذي دعا إلى مظاهرة ٢٥ كانون الثاني / يناير ٢٠١٢، إنما اكتفيت بكتابة نازلين بـ ٢٥، ومن المعلوم أن كل شهر فيه هذا الرقم، وكل سنة أيضا، إلام كنت تلمحين؟‬
‫أتمنى من كل قلبي أن ننزل في ٢٥-١-٢٠١٤، فالثورة مستمرة. هذه هي الرسالة وهذا هو الأمل.‬

مقدمة كتاب جوايا شهيد، فن شارع الثورة المصرية لـهبة حلمي