تقاطعات الفن والثورة

نشر في‫:‬الاربعاء, آب 28, 2013 - 19:06
القاعدة ترفض تمثالها | ربيع الأخرس | الفن والحرية
الكاتب/ة: مازن السيد.

تغذى الفعل الفنّي الإنساني، كما نفترض معرفته من شظايا الذاكرة لدينا، من منبعين: ما يراه العقل البشري في محيطه الطبيعي، وما يراه في داخله، في "لا- وعيه"، في أحلامه وخيالاته، ولاحقاً في أفكاره. دأب الإنسان في الحالة الأولى، على تمثيل طبيعته وتسجيلها كمثل الرسومات البدائية للحيوانات على جدران الكهوف. أما في الحالة الثانية، فقد شرع الإنسان منذ القدم في إنتاج أساطير مركّبة بشخصياتها وحبكتها، لا يمكن تجاهل البعد الفنّي الإبداعي فيها كنسق ديني- علمي أول.

يجتمع هذان السياقان في كونهما نابعين من القدرة البشرية على التمييز بين الناظر والمنظور، وتالياً على حاجته إلى تنميط المنظور ضمن معنى شامل يجيب على قلق الإنسان ومخاوف استمرارية وجوده. إذن، فهما أولاً نتاج ضرورة تحسين فهم الواقع، على أساس الحاجة إلى التفاعل مع هذا الواقع بالصورة التي تحفظ المصالح البشرية الأولى.

وهنا تحديداً، يسعنا أن نشخّص جذر التقاطع المفهومي بين الثورة والفنّ. فمن الممكن تعريف الثورة بأنها التفاعل مع واقع دفع فهمه بشريحة مجتمعية إلى الصراع من أجل حفظ ما تراه مصالحها. بمعنى آخر، وكما أن الفنّ هو بدايةً نتاج الإنقلاب على ظلم الطبيعة (الداخلية والخارجية) المتحكّمة المتسلّطة، فإن الثورة هي نتاج الإنقلاب على ظلم الإنسان (والذي هو أيضاً جزء من الطبيعة).

وكما أنّ للفن مشربين، الأول في محاولة نقل أصدق صورة عن "الواقع كما هو"، والثاني في استحضار الأسطورة لاستكمال المعنى الغائب عن الحسّ، فإن للثورة أيضاً مشربين: الأول في الإنخراط ضمن صراعات معاشة، مباشرة ومحددة، والثاني في الإنخراط ضمن ايديولوجيات تقدّم منظومةً أسطورية تدّعي الكمال في فهمها للواقع، إذ لا يفوتنا التشابه بين "الكذبة الأيدولوجية" (أو الدينية- الميثولوجية)، و"الكذبة الفنية" بشكلها الشعري أو المسرحي.

إلا أن المسارين الفنيّ والثوريّ، اللذين ينطلقان من قراءة الواقع، يصبحان بدورهما جزءاً من هذا الواقع المقروء، بما ينتج تسلسلاً من الانقلابات الفنيّة والثورية التي تعيد تعريف الفن والثورة، بما أنها تعيد تعريف المعنى المناط بالواقع المحيط. ولذلك، وفي أية لحظة من التاريخ البشري الجماعي والفردي، سنجد صراعاً بين "الثورة"، و"ما كان ثورة"، وبين "الفن" و"ما كان فنّاً".

بسبب كل هذا، احتاج العقل البشري إلى حلّ معضلة هذه الأحقية المرحلية، فوجد المفاهيم المتعلقة بـ "النهج الفني" و"النهج الثوري"، ليعطي هذا العقل مزيداً من الليونة والقدرة على التجدّد بموازاة تطور الواقع وفهمه له، وتمكنه من مصارعة مختلف المنظومات السلطوية المتعاقبة، على عكس طروحات "موت الفن" و"موت الايديولوجيا" التي قدمتها أدبيات "ما بعد الحداثة" الليبرالية، والتي تعمل على تحييد العقل البشري عن الصراع السلطوي المحيط به فعلياً.

على هذا الأساس، يمكننا أن نقارب العلاقة بين الفعلين الفنيّ والثوريّ المتزامنين في لحظة تاريخية واحدة. فهناك أولاً، الفنّ الذي يتخذ صفةً ثورية كونه آتياً من الساحة البشرية المباشرة للفعل الثوري، وهو فنّ يلتصق، والى حد كبير، وبقدر قليل من التعقيد والتركيب، بالواقع المعاش.

وهناك ثانياً، الفنّ الذي يتخذ صفة ثورية لارتباطه بالعنوان الأيديولوجي- الأسطوري المرحلي للفعل الثوري، ويكون مرّكباً ميالاً إلى التمجيد والتقديس، فتبدو غايته الأساسية هي الشحن العاطفي اللحظي.

أما ثالثاً، يتخذ الفنّ صفته الثورية من خلال ارتباطه بما أسميناه "نهجاً ثورياً"، بمعنى انحيازه ضد الايديولوجيات لصالح الصراعات المحدّدة، وضد الشحن العاطفي لصالح المساهمة النقدية في تشكيل الشخصية الثورية، أي أنه تحت سقف الثورة كنهج إنساني دائم يتجلى مرحلياً، لا تحت سقف الثورة كعنوان ايديولوجي سلطوي محدود.

ما يميّز النوع الثاني الذي ذكرناه من "الفن الثوري"، أنه بعكس الإثنين الآخرين، يطمح ضمنياً إلى الانتقال من الهامش المجتمعي إلى المركز، أي أنه يطمح إلى الانتقال من مساحة الإنقلاب على السلطة، إلى مساحة السلطة نفسها، ما يجعله الخاصرة الرخوة ل"الثورة" كعنوان، من ناحية أنه يتحول إلى أداة بروباغاندا تستخدمها بروباغاندا السلطة نفسها لإثبات المساواة الأخلاقية بينها وبين خصمها الثوري، وتصوير الصراع على أنه مجرد نزاع على السلطة بين فريقين.

الحالة الثورية التي تشهدها المجتمعات العربية اليوم، تقدّم أمثلة كثيرة عن فنانين كانوا ثوريين وتحولوا إلى أبواق فنية للسلطة، مثل بعض مؤدي الراب التونسيين الذين عارضوا بن علي وهللوا لـ "النهضة"، وبعض الفنانين المصريين الذي عارضوا "الإخوان" ثورياً، ثم هلّلوا ثورياً للعسكر في انقلابهم على تحالفهم المرحلي مع "الإخوان".

النوع الثالث، هو الأكثر قابليةً لإنتاج "ثورة في الفن"، لا "فناً في الثورة" فحسب. فهو بنيوياً يرى نفسه وأدواته وخيالاته موضوعاً للثورة، ولا يكتفي بالشرعية الثورية المكتسبة من اللغة والرمزية الايديولوجية للثورة، بل يتجاوزها إلى ضرورة الفعل الثوري الكامل نفسه. الثورة السورية، ولتميّزها بتحولّها السريع إلى ساحة صراعات مكشوفة، تميزت باحتضانها لنتاج فنّي شديد النقدية يتبلور في كل اتجاهات تبلور المشهد الواقعي.

اليوم، وفي ظل الصراعات الثورية القائمة على المساحة العربية، نشهد وصول مفهوم "الثورة" تاريخياً إلى أوسع دائرة من الموضوعات، وأطول خط من الأزمات، مع اهتزاز الواقع العربي على كل مستوياته الثقافية (بما يشمل الديني) والسياسية والاقتصادية والأمنية والنفسية.

قوة الإنفجار هذا الذي يضع مجتمعاتنا امام قدر هائل من الهشاشة، يدفعني إلى الإعتقاد بأن التجلي الأنسب للنهج الثوري في مرحلة التفتت هذه، يكون بالابتعاد عن الإسقاطات الأيديولوجية المرتبطة حتماً بمعادلات السلطة المحلية والإقليمية والدولية، لصالح الانخراط في صراعات مباشرة بعينها بموازاة كشف الهوة بين الايديولوجيات السلطوية والواقع المعاش.

بموازاة ذلك، أعتقد أن المنهجية الفنية الانسب اليوم في هذا السياق الثوري، هي تلك التي تسعى إلى تشكيل عناصر لحظة الولادة، بل لحظة "موت الآباء"، التي لا تترك صنماً حتى تفككه حدّ التكسير، وتبحث عن خيوط إنسانية مشتركة ضمن محاولات متواضعة للإجابة عن الأسئلة الأخلاقية والنفسية والميتافيزيقية.