مرحبا... تروتسكي

نشر في‫:‬الاربعاء, آب 21, 2013 - 14:44
تروتسكي
الكاتب/ة: سيليا هارت.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ تيار المناضل-ة (المغرب)      
المصدر‫:‬ المناضل-ة      

يوم 21 غشت 1940 اغتيل تروتسكي في مكسيكو بيد العميل الستاليني رامون مركادر. المقال التالي كتبته المناضلة الثورية الكوبية سيليا هارت Celia Hart احتفاء بالذكرى 65 لرحيل احد أكبر قادة البروليتاريا في القرن العشرين .
نشر المقال يوم 26 غشت 2005 بموقع Rebelion - نشرته شهرية انبركور عدد اكتوبر 2005 – تعريب المناضل-ة

ثمة ُبعد ينقص الفيلم الألماني المعنون "وداعا لينين". أدرك ذلك لأني عشت في جمهورية ألمانيا الديمقراطية قبيل سقوط الحائط. أطيح بهذا الجدار قبل بنائه. ان المأساة التي مثلها الانتقال إلى الرأسمالية بأوربا الشرقية غير قابلة للقياس في بضع سنوات التي انصرمت من البريسترويكا المبتذلة والمتفسخة الى إطاحة تماثيل لينين باحتفاء. لا يمكن قول وداعا للينين إن لم يسبق قط الترحيب به. لم يفعلوا غير استيراد صورته، وتهميشه، وتحويله الى بهلوان خنوع في خدمة البيروقراطية الستالينية. لم يكن للينين الذي يودعون في هذا الفيلم علاقة بمبادئ الاشتراكية في العالم. كانت تماثيلهم جوفاء من حيث المضمون وحتى الشكل على ما اعتقد.

لن نفهم ذلك طالما استمر إخفاء أوجه عديدة من حياة تروتسكي وفكره. قد يبدو هذا ساخرا لكن الكيفية الوحيدة لإعادة لينين تكمن في فهم أسباب إبعاد أفضل معاصريه. لن نتوصل الى فهم ما جرى ما لم نيسر إدراك الآلية الغامضة التي استولت بها البيروقراطية السوفيتية على الاشتراكية ، خائنة الأممية ومدمرة الروح الثورية للعالم. يبقى لنا طبعا بديل: ان نكشف عن ذلك من البداية ، وهو الأمر المستلزم وقتا يندر أكثر فأكثر، علاوة على عوزنا الى المعلومات الأصلية.

الأمر شبيه بربان سفينة يبعث، خلال الغرق، تقريرا عاجلا حول كيفية الغرق وسببه، ومع ذلك نسعى إلى الإبحار في نفس المياه، وبنفس النوايا دون سعي الى معرفة أسباب الكارثة، بدفن قنينات الرسائل في الرمل كما النعامة.

لم ينه القرن العشرين كلامه بعد. ما زالت التقلبات التي شهدتها الممارسة الثورية مخفية الى حد بعيد. وان كان ثمة من بإمكانه ان يكون شاهدا على القرن العشرين فهو تروتسكي.

قال ارنست ماندل ذلك على نحو أفضل بكثير: "من بين كل اشتراكيي القرن العشرين الكبار، كان تروتسكي من تعرف بأكبر وضوح على الميولات الأساسية للتطور والتناقضات الرئيسية للحقبة، كما ان تروتسكي هو من صاغ بأفضل وضوح إستراتيجية تحررية مناسبة للحركة العمالية العالمية ".

نعم نحن بحاجة الى لينين، الذي لن يعود الا بشرط إنصاتنا إلى تروتسكي ليقول لنا ما لديه. كانا يدافعان عن نفس الأمر،ما عدا أن تروتسكي عاش بعده وعرف كيف يفسر في حياته وفي موته سلطات إبادة الاشتراكية. اتحدي في هذه اللحظة كل مفكر يسعى بصدق الى التفسير ان يقدر على الاستغناء عن التجارب التروتسكية، ولو لدحضها. ان أولئك الذين يتفادونها ويضعونها جانبا ليسوا لينينيين.

يقال أن لينين بدون ماركس غير مفيد.وأضيف انه بدون تروتسكي ليس ثمة لينين. ان كافة المفكرين الماركسيين، لاسيما الثوريين حقيقة، لاغني عنهم لفهم ماركس الذي لم يكن يملك المفتاح السحري . لقد عين فقط الاتجاه للأفكار الثورية ، اي الفلسفة ، كي يشق البشر لأول مرة في التاريخ النفق نحو سعادتهم... المعولمة.

لنستعمل هذا التشابه. ُيفترض أن الاشتراكية نفق، أي سبيل نسلكه في هذا العالم الذي سنربح ما دمنا لن نخسر غير قيودنا. إذن كانت ثورة أكتوبر أول محاولة لشق النفق الذي حدثنا عنه كارل ماركس. لكن الستالينية نسفته من الداخل بالديناميت. خلال بنائه تُركت داخله الديناميت. آنذاك كان تروتسكي المهندس الذي حدد مكان وجود المتفجرات.

لم ُيرد الإنصات إليه. النهاية معروفة .. ارض خراب.

نقول اليوم بشاعرية أن النفق الذي سنشيد سيكون اشتراكية القرن 21. سيتعرض النفق للنسف بالديناميت، سواء كان نفق القرن 21 او القرن31 بسبب النواقص ذاتها وسنواصل، دامعين، انتظار اشتراكية القرن اللاحق... وقد تحولنا هذه المرة الى لئام.

ان إمكان الانتقال الى الاشتراكية اكتشاف علمي . انه ليس شعرا ولا طريقة في الكلام. السبيل الوحيد لبلوغها هو النضال الطبقي. الأمر بهذه الدرجة من البساطة. اشتراكية القرن العشرين ليست هنا سوى لأننا في القرن 21. انها بداهة. ان اكتشاف أصل الاستغلال الرأسمالي حقيقة علمية لها من القيمة و الموضوعية ما لدوران الأرض حول الشمس. لسنا بحاجة الى اينشتاين، ولا الى قوانين نظرية النسبية العامة، ولا الى علم مساحة الأرض، لنفسر سبب انتقالنا من الصيف الى الخريف. يكفينا للغاية نيوتن. النتائج متماثلة والرياضيات ابسط للغاية. ولسنا بحاجة لفهم الثقوب السوداء او نظريات Hawking لوضع قمر صناعي على مداره. قد تكون الاتصالات والإعلاميات قد عقدت شيئا ما واقع الرأسمالية المعاصرة ، لكن مع ذلك، يظل الجوهر هو ذاته دائما كما كان منذ قرون عديدة. لا حاجة الى " اقتصاديي كميين" او "رياضيات موترية tensoriel " لنفسر أصل استغلال النظام الرأسمالي وضعفه الراهن.

إن ما ُيدعى "اشتراكية القرن العشرين" يعادل القول إننا سنصنع "طائرة القرن 21". لكن يتعين على هذه الطائرة أن تتغلب على الجاذبية، كما فعلت طائرة القرن20. وفي القرن 21 هذا، كما هو الشأن منذ آلاف ملايين السنين، تظل ثابتة الجاذبية G هي دوما تلك التي حسبها نيوتن. أوافق على انه يتعين علينا صنع طائرات أكثر راحة وأمانا وسرعة ، لأن متطلبات القرن 21 تختلف عن تلك الخاصة بالقرن20. لكن العلة القصوى لجسم يتعين عليه ان تغلب الجاذبية هي ذاتها. من باب المقارنة يمكننا القول إن طائرتنا التي حاولت التغلب على الجاذبية عام 1917 ارتفعت في السماء وتحطمت على الأرض. يفضل البحث عن الأسباب قبل أي خطاب مستقبلي لأنه ايا كان القرن 21 ستبقى التابثة G تابثة. إن الأسباب الأولى للاستغلال الرأسمالي هي ذاتها من القرن 19 الى القرن 21: استغلال العمل. ليس ثمة اذن إلا كيفية وحيدة للانتقال "من ملكوت الضرورة الى ملكوت الحرية". كفى من الاستدارة في حين ان كل لحظة تمضي هي ضدنا.

سقطت الطائرة ونعتقد الآن انه سيكون بمقدورنا، بواسطة حاسوباتنا وهواتفنا الخلوية وانترنت، ان نتحدى الجاذبية دون ان نأخذ التابثة G بالحسبان. طبعا يتعذر ذلك! ستتواصل الجاذبية على نفس المنوال إلى ان تنهار الأرض.

يجدر بنا ان نسرع، ونتخلى عن الخطابة، وندرك بشكل نهائي ان العدو لم يتغير. ربما أصبح أشرس واخطر لكنه هو ذاته دوما. لنسرع، أخيرا، لنعرف من نحن حقا.

لكن لماذا إذن تروتسكي؟ ليس في الأمر أي تعلق بوجه تاريخي، كما يؤاخذني بذلك كثيرون. فقط لأن هذا الإنسان يعلم الكثير حول العلبة السوداء لتلك الطائرة التي أرادت أن تقلع بالتاريخ.

اغتيل ليون تروتسكي قبل 65 سنة باكثر الطرق بشاعة. وبعد 65 سنة ما زال دمه يرشنا. كان وجب على هذا الاغتيال ان ينهي حق الكرملين في ادعاء احتكار وبث الفكر الاشتراكي، لكنهم استمروا وتحولت الى تمثال من ملح.

كان منح وسام النجم الاحمر لرامون مركادر (قاتل تروتسكي) احتفالا، وسط الهتافات السرية والجبانة، بموت الاشتراكية. مثل هذا الاغتيال إحدى أكبرأعمال إرهاب الدولة اللاخلاقية في التاريخ.

ان أكتوبر 1917 المجيد هو الذي انتحر يوم 20 غشت.

بعد قضاء عقوبته بالمكسيك انتقل مركادر الى كوبا[1960] . لا افهم بعد مع من اجتمع وبأي طريق، ولا ما إن استطاع النظر وجها لوجه الى إكليل مارتي Marti او رماد ميلا Mella . ان الرجل الذي كان يحمل بين يديه، دون ان يحققها، مهمة القضاء على يسار أفكار الاشتراكية، مات في كوبا، هذا أمر يشق علي قبوله. كان هنا في سنوات تشي غيفارا المضيئة تلك. يبدو لي هذا مستحيلا جدا.

طبعا ليس لنهج الاستمرار الإيديولوجي للثورة الكوبية أي صلة بمركادر والغيبيو GPU (مخابرات ستالين) والستالينية. على العكس كان ما أتاح البقاء لثورتي هي روح ليون تروتسكي، رغم أننا كنا نجهله، لان ذلك أُخفي في ثنايا الذاكرة التاريخية.

الحقيقة عنيدة وتشق طريقها كالماء البطيء لكن المثابر الذي لا يوقفه شيء. ثمة مدار ملغز في الثورة الكوبية، بدأ مع الحزب الثوري الكوبي، وتواصل مع ميلا Mella ثم مع الأشد تجذرا في حركة 26 يوليوز، ليبلغ الأوج على نحو أسمى مع تشي غيفارا. انه مدار الالتزام الطبقي والاممي الحازم. يسير ليون تروتسكي هنا صامتا، ومجهولا، وعرضة للقذف، لكن بابتسامة ساخرة. لماذا جرى طوال تلك المدة من السنوات منع ليون تروتسكي من الوصل مع الثورة الكوبية؟ لم أتمكن من تحديد ذلك، لكن ما أعلم هو انه ان كانت ثمة ثورة جذرية فهي ثورتنا، وان دعا احد الى الثورات الجذرية واللامنتهية فهو تروتسكي بالذات. ربما لم يخطئ مارتي لما قال " الحقيقي في السياسة هو ما لا يُرى".

قد يتعين علينا ان نتحدث مطولا عن خوليو انطونيو ميلا، ونحلل بعمق عمله بالمكسيك. لدينا لحسن الحظ أبحاث اوليفيا كال Olivia Gall واليخاندو كافيز كانسينوAlejandro Galvez Cancino الممتازة التي تحلل، بوضوح ودقة متناهيين، وعلى أساس توثيقي متين، النشاط الشيوعي لميلا خلال تلك الفترة. كان ميلا يرجع الى تروتسكي عند عودته من الاتحاد السوفيتي، وكان على علم بأهداف المعارضة اليسارية عبر اندري نين Andres Nin (المغتال من طرف الغيبيو خلال الحرب الاهلية الاسبانية) . وقد كتب الى رفيق في كتاب " برنامج المعارضة" قائلا: "الى البيرتو مارتينيز، من اجل إعادة تسليح الشيوعية. خوليو انطونيو ميلا ". ليست تروتسكيته المعلنة هي ما يجب ان يثير اهتمامنا. كانت مواقفه الجذرية في مكسيكو ارفع شأنا. في الواقع وفي نتائجه السياسية "كان ميلا يعتبر من طرف التروتسكيين بما هو محرك التيار الذي سيشكل لاحقا المعارضة اليسارية في الحزب الشيوعي المكسيكي" حسب المؤرخة اوليفيا غال.

انه خوليو انطونيو ميلا الذي وضعنا على طريق الاشتراكية في كوبا. انه من مد ذلك الجسر الرائع بين مارتي والبلشفية، الذي شكل ماضينا الأفضل القريب ومستقبل العالم الآتي. مهما قيل، ولو حاول البعض حبسه في راية وطنية مثيرة للشفقة، وعزو خطاب ضيق اليه، يمثل ميلا هذا المقدام والقوي والسجالي- لا غيره- أول شيوعي كوبي.

ان الستالينية التي إصابتنا لاحقا بالعدوى، والتي كانت لها على نحو ما أهميتها طيلة سنوات على مجرى الثورة الاشتراكية، ليست سوى فيروسا معديا تمكن المثال الاشتراكي، ليس من دون معارك، من البقاء رغما عنه لأنه ( أي المثال الاشتراكي) كان جوهر السيرورة الثورية ذاته. لم تساهم الأحزاب الستالينة إيديولوجيا في سيرورتنا سواء عندما طردوا ميلا من الحزب ،أو عندما تصالحوا مع متشادو او في مناسبات اخرى.

ما زال هنا العديد من الرفاق لديهم الكثير مما يحكى ، أوفياء للثورة الاشتراكية، معترفين انهم لقوا المساعدة والأذن الصاغية من ماركسي آخر يوجد، الى جانب ميلا، على شعار اتحاد الشبيبة الشيوعية : انه تشي غيفارا.

تشي بوجه الدقة هو من أريد دعوته بكامله، وبنجمته على الجبهة، لأرحب بتروتسكي بمناسبة الذكرى 65 لاغتياله. تمكن غيفارا، رمز الشيوعية الأكثر جذرية، ان يجعل من تروتسكية يجهلها أداة. هذا فقط لان الحقائق النظرية لتروتسكي تابثة متل قيمة G تابثة الجاذبية. توصل تشي غيفارا من تلقاء ذاته الى العديد من أطروحات تروتسكي دون علم بذلك، و دون ان يتاح له معرفة ذلك.

سأعطيكم مثالين أتاحا لي الشروع في اكتشاف وحدة سرية بين الاثنين. كان غيفارا الثوري الذي فهم على الوجه الأفضل مبادئ الثورة الدائمة، لدرجة انه مات بسبب سعيه الى الدفاع عن تلك المبادئ. لكنه لم يمت فقط بسبب سعي الى تطبيق تلك الأطروحات، بل مات أيضا لأنه سعى الى بلوغ جوهرها فكريا.

بمناسبة هذه الذكرى 65 ساعود هنا الى تناول الأوجه الأساسية الثلاثة للثورة الدائمة.

الجانب الأول:" أعلنت نظرية الثورة الدائمة، المنبعثة عام 1905، الحرب على هذا النمط من الأفكار وتلك الحالات الذهنية. وكانت تبرهن ان انجاز المهام الديمقراطية المطروحة على البلدان المتأخرة، يقودها رأسا في عصرنا الى دكتاتورية البروليتاريا، وأن هذه تضع المهام الاشتراكية على جدول الأعمال".

كان تشي غيفارا جازما بهذا الصدد. يقول نستور كوهان عن ذلك:"لا يقبل تشي في أي لحظة ان تكون المهام في أمريكا اللاتينية [وأضيف في العالم] متمثلة في بناء "ثورة وطنية"، "ديمقراطية"، "تقدمية"، أو رأسمالية بوجه إنساني، تترك الاشتراكية الى وقت لاحق. ويعرض على نحو قاطع وسجالي جدا، انه اذا لم تطرح الثورة الاشتراكية، فالأمر كاريكاتور ثورة يفضي الى إخفاق أو مأساة كما حدث مرارا".

هذان العرضان متماثلان. ليس على البلدان المتخلفة ان تنتظر انجليزيا او ألمانيا ليقرر تنظيم الثورة فيها. قال تروتسكي ذلك في بيان الأممية الرابعة المسمى "بيان الإنذار" في ماي 1940: "لا يعني منظور الثورة الدائمة باي حال أن على البلدان المـتاخرة انتظار إشارة البلدان المتقدمة، وان ان على البلدان المستعمرة ان تنتظر بصبر ان تحررها بروليتاريا البلدان الاستعمارية. لا ينال العون سوى من يعين نفسه!"

في جانبها الثاني "تميز نظرية الثورة الدائمة الثورة الاشتراكية ذاتها. طوال فترة غير محددة المدة، تتحول كل العلاقات الاجتماعية خلال صراع داخلي مستمر. يغير المجتمع جلده بلا توقف (...) تشكل انقلابات الاقتصاد والتقنية والعلم والأسرة والأخلاق والعادات تركيبات وعلاقات متبادلة معقدة لدرجة استحالة بلوغ المجتمع حالة توازن"

من جهته كتب تشي في كراس "الاشتراكية والإنسان في كوبا": "في فترة بناء الاشتراكية هذه يمكن ان نشهد ميلاد الإنسان الجديد. ليست صورته محددة تماما. ولا يمكن ان تكون كذلك أبدا بالنظر الى ان هذه السيرورة موازية لتطور بنيات اقتصادية جديدة". في نظر تشي " الراحة الوحيدة للثوريين هي القبر".

الجانب الثالث: البعد العالمي. يرى تروتسكي أن" نظرية الثورة الدائمة تعتبر الطابع العالمي للثورة الاشتراكية الناتج عن الحالة الراهنة للاقتصاد والبنية الاجتماعية للبشرية. ليست الأممية مبدأ مجردا: لا تمثل سوى الانعكاس السياسي والنظري للطابع العالمي للاقتصاد، وللتطور العالمي لقوى الإنتاج وللاندفاع العالمي للصراع الطبقي. تبدأ الثورة الاشتراكية على الصعيد الوطني ، لكن لا يسعها ان تقف عنده. لا يمكن الإبقاء على الثورة البروليتارية في الإطارات الوطنية سوى كنظام مؤقت ، حتى ولو دام هذا أمدا طويلا، كما ابرز مثال الاتحاد السوفيتي . عند وجود دكتاتورية بروليتاريا معزولة تتزايد حتما التناقضات الداخلية والخارجية بتزامن مع النجاحات. وإذا استمرت عزلة الدولة البرولتارية فستسقط في النهاية ، ضحية لتلك التناقضات".

كان تشي يقول بصدد الثوريين: "اذا كلت حماستهم عندما يتعين انجاز المهام الأشد إلحاحا، ونسيت الأممية البرولتارية، تكف الثورة عن كونها قوة دفع وتسقط في استرخاء عذب يستفيد منه عدونا اللدود، الامبريالية، لإحراز تقدم. إن الأممية واجب، لكنها أيضا ضرورة ثورية."

لن أطيل. ان كان ثمة من ناضل لجعل الثورة الكوبية اشتراكية أكثر فهو تشي. ارتمى في بناء الاشتراكية في ارض متأخرة، معمقا يوما تلو الآخر طابعها الاشتراكي... ليتركها كليا باسم الثورة العالمية. لا اعرف ايا آخر قام بالمثل. ولا اعتقد ان ثمة وفاء أكثر لمبادئ الثورة الدائمة . ان لم تكن ظروف بوليفيا ملائمة فذاك موضوع ىخؤر غير الثورة الدائمة... يمكن طبعا انتقاد ه لأنه كان ثوريا دائما أو ومنطقيا بإفراط. يتمثل عنصر التقاء آخر، في ظروف مختلفة، بين فكر تروتسكي وفكر تشي في انحيازهما الحازم للاقتصاد المخطط. لا شك أن تروتسكي آثر في البداية السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب) بالنظر الى الظروف الاقتصادية المرعبة للدولة السوفيتية الفتية مع ما سمي شيوعية الحرب. لكن سرعان ما انتقد تروتسكي ما كانت عليه الأمور. كان يرى، كما روى إسحاق دويتشر انه" مع الانتقال إلى السياسة الاقتصادية الجديدة، أضحت ضرورة التخطيط أكثر إلحاحا (...) بالضبط لان البلد كان عاد الى العيش في ظل اقتصاد سوق وجب عليه العمل على نحو يتحكم بالسوق ويمنح ذاته سبل ذلك التحكم. أفضى ذلك الى إثارة مسألة الخطة الوحيدة التي يتعذر بدونها ترشيد الإنتاج وتركيز وسائل الصناعة وإقرار توازن مختلف قطاعات الاقتصاد".

ان مواقف تشي لصال الخطة ونفوره من النيب نفورا بات مضرب المثل أمران معروفان جيدا. كان تشي يرى ان لينين، لو أسعفه الوقت، لأعاد النظر في النيب. وليس ثمة الخطة وحدها. فقد أيد تشي أيضا في ختام حياته الديمقراطية الاشتراكية. كتب مبخائيل لووي في روبليون: "نعرف انه في آخر سنوات حياته تقدم تشي غيفارا كثيرا في الابتعاد عن النموذج السوفيتي (...) لكن قسما كبيرا من كتاباته الأخيرة لم ينشر بعد لأسباب غامضة. وثمة ضمن تلك الوثائق نقد جذري لموجز الاقتصاد السياسي لأكاديمية علوم الاتحاد السوفيتي ُكتب في براغ عام 1966 (...) أحد مقاطعه بالغ الأهمية لأنه يبرز ان تشي غيفارا اقترب في تأملاته السياسية الأخيرة من فكرة الديمقراطية الاشتراكية".

هكذا كان تشي. مع انه لم يدرس تروتسكي كفاية، كان يسير وفق الأطروحات التروتسكية الأكثر منطقية. ربما لم يع ذلك ، لكن ما أهمية الأمر؟ يدل هذا في جميع الأحوال على مطابقة تلك الأطروحات للواقع، ويمنح بالمقابل قوة أكثر لفكر تروتسكي. كتب تشي عام 1965 الى ارماندو هارت من طانزانيا بصدد خياراته في مجال الفلسفة الماركسية، وقال له في الفقرة 7: "ويجب ان نجد فيها صديقك تروتسكي الذي عاش وكتب على ما يبدو".

قد يوحي هذا بقلة معرفته بمؤسس الجيش الأحمر. يبدو مع ذلك انه اقترب في سنته الأخيرة من كتباته. أكد لي ذلك خوان ليون فرير رفيق تروتسكوي يعمل بوزارة الصناعة. كما كان تروتسكي يتوصل بالمجلة الدورية لمنظمته، وهو الذي حرر السجناء التروتسكيين عند عودته من إفريقيا. كان للرفيق روبيرتو اكوستا المتوفي مذاك علاقة رفاقية كبيرة مع غيفارا. وحسب خوان ليون فرير كانا خلال حملات جني محاصيل قصب السكر يتحدثان عن تلك المواضيع. يشير هذا الرفيق الى ان تشي قرأ كتاب الثورة الدائمة، ونعرف انه كان يحمل معه في بوليفيا كتاب تروتسكي تاريخ الثورة الروسية.

بوسعنا ان نضيف أمثلة أخرى تدل على ان ان هاذين الثوريين النموذجيين ينيران نفس النهج.

قاد كلاهما جيشا ودولة اشتراكية ناشئة على نحو لامع وناجح، مطبقين بالكامل كارل ماركس، وكانا مفكرين ثوريين تسلما السلطة وسعيا الى تعميق سيرورتهما الثورية بالبقاء أوفياء للينين وفيديل تباعا، مائلين الى يسارهما. ولكي يمثلا المثال الأكثر اكتمالا للأممية والحزم الثوري، تعرضا كلاهما للاغتيال.

جعلني ارنستو تشي غيفارا مناضلة تروتسكية. ولما تمكنت من الوصول الى كتابات تروتسكي، في وقت متأخر بالنسبة لذوقي، أدركت ان أمورا عديدة...سبق ان قيلت لي منذ الطفولة من طرف تشي. من الصفحات الأولى تيقنت مما أحسست به مرارا عند قراءة تشي: ان الثورة لا علاقة لها بالمزاج الوطني، وان لا مكان في الاشتراكية لضميري "نـا" و"كم"، وان النظرية الثورية مثل قوانين الفيزياء لغة كونية. وكما صرح ارماندو هارت في حقبة أخرى: "نضالنا ليس لكوبا وحدها، بل لكل عمال العالم ومستغليه. تخومنا أخلاقية وحدودنا طبقية".
ما اقدره أكثر لدى تروتسكي هو طريقته في الكلام، ما توقظه في دوما خطاباته من انفعال. ونفس الشيء جلبني عند تشي غيفارا. لذا أناضل في جيشه كما في جيش تشي دون خيانة أي منهما. كلاهما يعبر بنفس الحقيقة عن الكلام والبندقية والقلب.

ايها الرفاق: لنبلغ أخيرا سن رشدنا، ثمة مقدار هائل من مظالم الاستغلال، وكبيرة جدا هي بداهة الحل الوحيد، كثير منا ماتوا. ليون تروتسكي يدعونا من جديد للنضال. لنرحب به دون أي شرط! تشي هو مضيفه وشعوب أمريكا اللاتينية تطالب بالاشتراكية. لقد انتصر تروتسكي على نحو مأساوي في الجولة النظرية. لنسلح بثقة ودون تأخير حركاتنا الثورية. يوجد تروتسكي وتشي في حزبنا. لنهز بشكل نهائي الشجرة لإسقاط قناع الإصلاحيين الجدد الذين يمنعون تقدم الثورة البوليفارية، التي تمثل رأس الرمح والدرجة الأولى من ثورة قارية غير مسبوقة.

لنتذكر مرة أخرى أن الشمس والنجوم والجاذبية حلفاء لنا. يا برولتاريي كل البلدان اتحدوا!