مقدمة كتاب جوايا شهيد، فن شارع الثورة المصرية لـهبة حلمي

نشر في‫:‬الاربعاء, آب 21, 2013 - 14:04
غلاف كتاب جوايا شهيد لهبة حلمي
الكاتب/ة: هبة حلمي.

"تضيق نافذتي ويتسع الجدار" (سميح القاسم)

لقد كانت معركة طويلة ومستمرة حتى استطعنا تحريره، وها هو الشارع قد أصبح لنا حيث ظهر جرافيتي الثورة المصرية كالمارد الخارج من القمقم، يحوّل حيطان المدينة إلى معرض عام يكلّم المارة ويتحاور معهم ويقدّم نفسه كإعلام بديل عن أبواق ماسبيرو ومنابر الجوامع والكنائس ويؤرّخ دون قصد للثورة المصرية.

ويعرف أي مواطن عاش في هذا البلد قبل ثورة 25 يناير تمام المعرفة أن الشارع لم يكن لنا، لقد كانت تحتلّه سلطة الدولة بأجهزتها الأمنية والرقابية. يطاردون الأحبّة والباعة وراكبي المواصلات العامة. عندما كنت أقف لالتقاط صورة لتمثال ميدان أو لمبنى حكومي، كان دائما ما يظهر مواطن يسأل عن هويتي وسبب التقاط الصورة. فقد كان شعار "ممنوع الاقتراب أو التصوير" هو شعار المرحلة. ففي السنوات الثلاثين الأخيرة، التي تربع فيها مبارك على عرش مصر، كان عدد عساكر الداخلية يزيد يوما بعد يوم، ويتضخم جهاز أمن الدولة والمخابرات وكل الأجهزة الأمنية التي تطلق موظفيها ليحتلوا الفراغ العام. إن تحرير هذه المساحة ارتبط، ارتباطا وثيقا بالحركة الجماهيرية التي حوّلتها إلى مساحة للحرية والتعبير.

المساحة الضيقة تتسع
كانت تونس قد تخلصت بالفعل من بن علي، عندما انتشرت الدعوة للتظاهر يوم 25 يناير 2011 على الفايسبوك وتناقلتها الأفواه. لم يكن في خيال أكثر المتفائلين أن هذا اليوم سيكون موعدا للثورة المصرية، فقد بدت الأجواء هادئة ظهرا لكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. حددت الدعوة نقاطا كثيرة للتجمع ثم التحرك نحو ميدان التحرير. كانت مسيرتي تبدأ من شبرا حيث تم القبض على كل من وصل قبل الموعد بقليل. حاصرتهم قوات الأمن في دائرة، نفس الدائرة التي كان أقصى طموحنا أن يملأها ألف شخص. لسنوات كان النظام يحاصرها بعشرة آلاف عسكري أسود من الأمن المركزي، يفتحون لنا طريقا ضيقا طويلا، يساره ويمينه عسكر، لنصل إلى دائرة مركزية نتظاهر داخلها ثم نعود إلى بيوتنا. فقط الممر والدائرة كانا هما المساحة المسموح بها. ولكنها كانت البداية؟

أما ذلك اليوم، وبعد كر وفر، فقد استطعنا بمساعدة أهالي شبرا أن نهرب من البوليس في الأزقة والحواري حتى تمكنا من الوصول إلى نفق شبرا لاستكمال الطريق. "يا أهالينا انضموا لينا"، "إنزل" كانت هذه النداءات تَلْقى، ولأول مرة، استجابة وتزداد الأعداد بشكل ملفت. وعندما دخلنا التحرير وجدنا أنفسنا قليلين بالنسبة لما وجدنا من بشر هناك، وبدأت الثورة.

الكتاب
عندما عدنا من الميادين، وبعد حلم الـ18 يوما، كان الكثيرون يقولون بأن المجلس العسكري سوف يقود البلاد إلى ما كانت الميادين تطالب به، وأنه القيادة التي اختارت أن تقف بجانب الشعب وليس مبارك. كانت هذه القناعة التي تمثلت في شعار "الجيش والشعب إيد واحدة"، تسيطر على الكثيرين ممن زاروا التحرير في الأيام الأخيرة قبل سقوط مبارك، أو أولئك الذين تابعوا الثورة على شاشات التلفاز. أما نحن وقد رأينا بأعيننا الجيش يفتح الطريق أمام بلطجية مبارك، ويدفعهم لمعارك دامية معنا، لم نطمئنّ تماما لقرار ترك الميادين. فقد كانت الصفقة بين الإخوان والمجلس العسكري قد أبرمت، وأقنع الإخوان جماهيرهم بالعودة إلى البيوت والانتظار. أما الذين قرروا عدم ترك الميدان، فقد كانوا أول ضحايا المجلس العسكري والشرطة العسكرية. وبدأت المذابح الواحدة تلو الأخرى.

يحاول هذا الكتاب عرض إبداع "فن الشارع" بالترتيب الزمني منذ بداية الثورة (25 يناير 2011)، ثم اكتشاف القبض الممنهج على المدنيين وتحويلهم إلى المحاكم العسكرية، حتى مذبحة الالتراس (ستاد بور سعيد)، وأخيرا الدعوة للإضراب العام (11 فبراير 2012). ويتخلل هذا الترتيب تيمات محددة (نون النسوة، جدران تغزو المدينة، المشير من التأييد للإعدام). وقد تم اختيار هذا الترتيب الزمني حتى يكون بإمكاننا أن نضع كل هذا الإبداع في سياقه التاريخي والنضالي.

الجرافيتي أو فن الشارع
الجرافيتي هو الكتابة أو الرسم أو الحفر أو رش سبراي على حائط أو أي مساحة عامة، يتراوح بين كلمة مكتوبة على الحائط حتى جدارية. هو قديم قدم الإنسان، وجدناه في الكهوف، أما في العالم الحديث فقد اعتبرت الدولة أن الرسم على ملكيات الآخرين يعاقب عليه القانون.

بدأت ثورة الجرافيتي في مدينة نيويورك في السبعينيات والثمانينات بظهور ثقافة "الهيب هوب". خلال هذه السنوات أصبح الجرافيتي جزءا من الثقافة الشعبية.

فكان شباب المناطق الحضرية يستخدمون رش الألوان في أنفاق القطارات وعلى جدران تلك الممرات، كان ذلك يعطيهم صوتا لرفض السلطة القائمة وهوية خاصة بهم يعبّرون من خلالها ويراها ويحسّ بها الجميع. انتشرت الظاهرة في بلدان أخرى غير أميركا مثل بريطانيا وفرنسا وأصبح الجرافيتي ظاهرة عالمية. (حائط برلين وجرافيتي حركة الطلبة في 68 فرنسا، والجدار العازل في فلسطين).

لم تستطع المحاولات لتعريف "فن الشارع" الوصول إلى تعريف موحد شأنها في ذلك شان التعامل مع الكثير من المصطلحات، لكن مصطلح "فن الشارع" قدمه ألن شوارتسمان في عام 1985 واستخدمه للإشارة إلى كافة أشكال التعبير الفني في المناطق الحضرية، والتي ولدت من ثورة الجرافيتي وتحمل قيما جمالية فنية وأساليب مختلفة تماما عما كان سائدا في السبعينيات والثمانينات في فن الجرافيتي في مدينة نيويورك. مع أن الجرافيتي ينظر إليه على أنه شكل من أشكال الفن ينتشر ويتنامى من خلال استخدام أساليب إبداعية بعينها مثل رش الألوان وكتابة الحروف الثقيلة، لكن فن الشارع هذا لا يعرف الحدود، ففي كثير من الأحيان يتم استخدام الستانسل والمواد العجينية والرسومات والملصقات كأشكال لها نفس القيمة الجمالية.

الفن المسروق من سلطة الدولة
يمثل فن الشارع أو الجرافيتي صوت الجماعات المهمشة، والشباب الذي يجاهد لإسماع صوته ورسالته بشكل عام. إنه صوت من لا صوت له، ويأخذ هذا الفن أهمية خاصة في حالة الأزمات الاقتصادية والثورات، حيث أخذ على عاتقه في حالة الثورة المصرية على سبيل المثال، توصيل صوت من لا يملكون إعلام الدولة وأدواتها في السيطرة. وفي رحلته هذه يستخدم الحوائط والشوارع كمساحة للإبداع تتحدى مفهوم الملكية الخاصة. إنه ينتهك حرمة الدولة مرتين، المرة الأولى، عندما يسطو على جدران المنشآت العامة (أقسام الشرطة، وزارة الداخلية، وزارة الدفاع... الخ)، والمرة الثانية، عندما يرسل رسالة ممنوعة في الإعلام الرسمي. تنفق الدولة أموالا لإعادة طلاء الجرافيتي، كما تهاجم المطبّقين (والمقصود بهم الذين يقصّون التصميم ثم يرشونه في الشارع) بدوريات الشرطة أو ترسل لهم الـ"مواطنين الشرفاء". هذا ما حدث لـ"علي الحلبي" عندما قام برش ستانسل "الرقص على أنغام الثورة" فتم اعتقاله في أكتوبر 2011 لنفس التهم القديمة من نشر ملصقات وتخريب واجهات المباني العامة. وأثناء حملة "أسبوع الجرافيتي العنيف" التي كانت تدعو المصريين للنزول إلى الشارع يوم 25 يناير 2012، تم القبض على ثمانية من مطبقي الجرافيتي.

لا يمكننا إدراك الهجوم على هذا الفن خارج سياق الهجوم على الثورة. فالخطاب الطبقي الذي روجت له منابر الثورة المضادة نعت الثوار بالبلطجية، واتهمهم بتعاطي "الترامادول"، وبممارسة علاقات غير شرعية. كما هاجم أطفالا قصرا، وبرر تعذيب الأجهزة الأمنية لهم لأنهم أطفال شوارع. "هؤلاء ليسوا ثوار 25 يناير الأطهار". هم المخربون في مقابل "الممواطنين الشرفاء".

يقول إيفيانو (فنان جرافتيتي)، "إننا عشنا لحظة من الحرية تمكنا خلالها أن نرسم على ما أردنا من حوائط". في يونيو 2011، ذكرى خالد سعيد، استطاع مطبقو الستانسل بالفعل أن يرشوا وجه خالد مصحوبا بشِعر أمل دنقل على جدار وزارة الداخلية. ويكمل إيفيانو أن "هذه اللحظة انتهت تدريجيا وأصبح "المواطنون الشرفاء" يعتدون علينا فكان من الضروري أن نحترس، فأصبحنا نؤمن اجتماعاتنا ولا ننشر مواعيدها على تويتر ونذهب لرش الجرافيتي في آخر الليل. لذلك كان عامل الزمن هاما والسرعة في الأداء ضرورية. "عبّر عما تريد بسرعة وخفة، كن سريعا كالبرق، فالنظام لا يريدك، اذهب في جوف الليل لا تكن وحيدا (الدار مش أمان)".

الجرافيتي كإعلام بديل
ليلة مذبحة ماسبيرو، أهاب التلفزيون المصري بالمواطن الشريف أن ينزل إلى الشارع "لإنقاذ الجيش المصري الذي يتعرض للقتل على يد المواطنين الأقباط". نزل "المواطنون الشرفاء" إلى منطقة ماسبيرو وهاجموا المارة والسيارات، ومن كان لسوء حظه على يده وشم الصليب تعرض للضرب والسحل. هؤلاء هم الذين زادوا المشهد دراما- بعدما تناثرت أشلاء الأقباط على الاسفلت، ودهستهم مدرعات الجيش- فصاحبوا المصابين بالضرب حتى المستشفى القبطي الذي استقبل 19 جثة ليلتها. فباتت المعركة هي الصراع على وعي الجماهير. أدركنا هذه الحقيقة سريعا، إن من يملك المعرفة هو من يملك السيطرة. ولأن ماسبيرو هو صوت الثورة المضادة، كان لا بد من شيء آخر ينقل وجهة نظر الثورة فيما يحدث. فإذا بفن الشارع يلعب هذا الدور، ويحكي لنا عن كل هذه المذابح والأحداث الهامة ليقدم نفسه كإعلام الثورة ويفضح الإعلام الرسمي، يقاوم الكذب ويحرّض على النضال ويستكمل الثورة على الجدران. ففي سكرة الانتصار التي أعقبت سقوط مبارك كان الجرافيتي يطبع صور الشهداء في كل الشوارع، وعندما اكتشف الناشطون تحويل المدنيين إلى السجن الحربي ومحاكمتهم عسكريا ظهر "عمرو البحيري" على الحائط ليخبرنا "أنا في السجن الحربي لأني شاركت في الثورة" فقد كان كل حدث يتبعه رأي الثورة على الجدران.

آلية الانتشار هي التويتر, تصميم يتبعه نشر ثم متلقي يطبع التصميم ويتبع خطوات العمل ويرشه في الشارع. هكذا بدأ جنزير- أحد فناني الجرافيتي- بنشر أوائل كتيبات الستانسل التي تشرح كيفية تفريغ الرسمة وتطبيقها على الحائط. يقول إيفيانو، "صممت جرافيتي "تسقط دولة مبارك" ووجدته مرشوشا في مدن مختلفة كالاسكندرية والزقازيق ودمياط" من خلال نفس آلية النشر.

تبنّى الجرافيتي حملات عدة مثل "لا للمحاكمات العسكرية" و"كاذبون". بالإضافة إلى "أسبوع الجرافيتي العنيف" الذي جاء كدعاية وتحريض على النزول إلى الشارع يوم 25 يناير 2012 والذي دعا إليه جنزير ولاقى تضامنا من فناني الجرافيتي في دول كثيرة، مثل إيران وأميركا واليونان، وجذب آلاف المتابعين والمؤيدين إلى التظاهر ضد حكم العسكر.

شكل وأدوات فن الشارع
- الجملة الرسالة:
"يسقط حكم العسكر" هي جملة يكتبها أحدهم على الحائط وتتحول لموضوع للحوار. وقد تكون هذه الجملة دعاية لمنتج أو لانتخاب شخص أو إعلانا عن علاقة حب أو كره أو رأي سياسي. ففي 2005 عندما تمكنت حركة كفاية من انتزاع حق الاعتصام في الشارع، ظهرت عبارة "يسقط مبارك" على اسفلت شارع عبد الخالق ثروت. فالجملة الرسالة هي الأكثر انتشارا وارتجالية، لا تستلزم أي مهارة تقنية أو أي تكاليف مادية.

- الستانسل:
لم تنتشر تقنية الستانسل من اليوم الأول للثورة، كانت مهمة الفنان أن يوصل رسالته بشكل مباشر وواضح وسريع. إنه فن السهل الممتنع، يعتمد المصمم على الأبيض والأسود, الأبيض هي الورقة والأسود هو ما سيتم تصميمه ثم تقطيعه وتفريغه بالكاتر فيما بعد. بعد التفريغ، يلصَق التصميم على الحائط ويرش مطبق الستانسل اللون المرجو على الحائط باستخدام البخاخ (السبراي). هي تقنية عملية جدا في السرعة والأمان وكمية الانتاج.

- الجدارية:
ترتبط الجداريات باعتصام أو مكان آمن يتيح للفنان زمنا أطول للرسم بالفرشاة والألوان على الحائط مباشرة. ففي أثناء اعتصام 8 يوليو واعتصام 18 نوفمبر بالتحرير، ظهر الرسم بالألوان على جدران مجمع التحرير. أما في شارع محمد محمود، فلم يمنع شرط المكان الآمن المصورين من الرسم على الجدران أثناء عملية اقتناص العيون والقتل المنظم التي خاضتها الداخلية. كما أنني لا أنسى هذا الشخص الذي كان يتسلّح بفرشاته - يوم كان جنود الجيش يلقون بالحجارة والأطباق ويتبولون على المتظاهرين من أعلى مبنى البرلمان- ويرسم الشيخ عماد عفت على ركن من أركان مجمع التحرير أثناء فض اعتصام مجلس الوزراء. بنظرة على جدران محمد محمود يمكننا أن نحدد أين حدثت المواجهات. ففي أول الشارع باتجاه التحرير نرى الجداريات الملونة وكلما تقدّمنا باتجاه وزارة الداخلية ينتهي الرسم وتبدأ الجملة الرسالة التي تكتب على عجل، تزداد عنفا في اللفظ ضد الداخلية والشرطة العسكرية ثم تتوقف الكتابة عندما تصل إلى أرض العدو. تتجاور كل هذه الأشكال مع بعضها فالجملة الرسالة تصاحب الستانسل والتصوير التقليدي مع إضافة الملصقات. وقد يرش الستانسل ثم يؤكد عليه الفنان بالفرشاة واللون.

الخطاب البصري والمدلول الثقافي
لأن الاختصار والكثافة كانت قضية مصمم الستانسل الفنية، استخدم التراث الثقافي ليخبر المتلقي حكاية أطول وأعمق مما يحكيه الملمس البصري على تنوعه، وذلك باستخدام عبارات شهيرة من الأفلام والمسرحيات أو الأمثال أو الشعر أو وجوه الممثلين ومشاهير عالم الإعلام والسياسة. فمثلا يظهر نجاح الموجي في باب اللوق، وهو الممثل ذو الوجه المصري الشعبي يقول "أنا الشعب". يُجِل الستانسل المواطن المصري الذي ينتمي إلى الطبقة العاملة ويظهر فخره ويعلن عن وجوده كلاعب أساسي على ساحة المعادلة السياسية المصرية. تؤكد الصورة على قوة وشجاعة المرأة المصرية التي كسرت حاجز الخوف، واقتحمت الصفوف الأولى في المواجهة وتعترف بدورها الرئيسي. لقد كانت كلمة "باطل" - التي جاءت على لسان الفلاحين المنتفضين في الفيلم لنزع الشرعية عن زواج فؤادة من عتريس أثناء ثورتهم على الطاغية- هي التي رددتها الميادين لتعلن عن نزع الشرعية عن نظام مبارك.

إنه الفن المتحرك الزائل
كنا نتحرك بالمسيرات سواء من جامع الاستقامة بالجيزة أو مصطفى محمود بالمهندسين إلى التحرير، تصاحبنا فرق مطبقي الستانسل فتحتمي بالمسيرة وتترك الرسالة على جدران الطريق. تابعت هذا المسار فيما بعد بالكاميرا، لأراقب ما يتبقى وما يتم محوه. إنها الحرب "يسقط حكم العسكر" تتحول بمحو كلمة "يسقط" إلى "حكم العسكر". خالد سعيد يظهر على كشك عساكر سفارة جمهورية التشيك بالدقي. أما في الزمالك تظهر جملة "يا مبارك أنت رجل عظيم" يشطب أحدهم على كلمة "عظيم" ويكتب "معرّص" فيأتي آخر ليغير اسم مبارك إلى مرسي. أما في شارع الجزيرة فهناك اثنان من الشخصيات الكرتونية يخرجان لسانهما لبعضهما البعض: "الحيطة دي بتاعتي، لا بتاعتي أنا".

إن التغيير في شكل هذه الأعمال الفنية لا يأتي فقط من محاولات المحو، فإنه بالأساس عمل جماعي, ففي حالة الجداريات مثلا يمتزج عمل أكثر من فنان وتختلط التقنيات على نفس السطح ويتكون العمل من طبقات الواحدة فوق الأخرى، فيصبح ملكية عامة ويعطي الحق لفنان جديد أن يضيف على عمل فنان آخر. وغالبا ما تكون هذه الإضافة مرتبطة بحدث جديد يقتضي رسالة جديدة.

فن الشارع ليس سلعة ولا ملكية خاصة
يقول المشير- أحد فناني الشارع- عندما سألته إذا كان يمكنني استخدام ما أرسله من تصميمات على تويتر في هذا الكتاب، "إن ما أرسلته ليس ملكا لي وإنما للنشر"، فالرسالة المراد توصيلها هي الهدف وبمجرد أن يخرج العمل من جعبة الفنان فإنه يصبح ملكا للجميع. ففن الشارع لا يعرف الفنان الفرد بمعناه الكلاسيكي، فهو مجهول في معظم الأحيان وإن لم يكن، وهو متقبل لتغيير منتجه الفني وتطويره على الحائط. فمثلا يؤلف جملة "التغيير على وساخة يسبب تسلخات" ويكتبها على حائط فيصورها آخر وينشرها على الانترنت فتصبح جملة على تصميم ستانسل يظهر فيه المشير طنطاوي، ثم تظهر مرة جديدة تحت ستانسل آخر لأحمد شفيق. فهناك عقل جمعي يتصل ببعضه البعض ويراكم خبراته الفنية والسياسية ويتنج أعمال فن الشارع. يقول حسام شكر الله (فنان جرافيتي): "يصعب تحديد من صاحب العمل، قد يصمم الجرافيتي أكثر من شخص ثم يقطعه ويرشه الكثيرون، لا أوافق على أن ينتمي الجرافيتي لشخص بعينه فإنه عمل جماعي".

لا يهتم مصممو الستانسل المعروفون بالظهور في وسائل الإعلام الرسمية ويبتعدون عن الأضواء. إنهم لا يريدون أن يصنع منهم موضة جديدة ويصبحون مادة للاستيعاب، ويكمل المشير كلامه عن تجربته مع أحد مقدمي البرامج الشهيرة عندما استضاف مجموعة من فناني الشارع: "إحنا كنا رايحين عايزين نقول رسالة، ما عرفناش نوصلها لأن مقدم البرنامج كان عايز يعمل شو بينا، واتخانقنا معاه في الفاصل".

بلا نخبوية ولا حملات دعاية يعرض فن الشارع نفسه على أفضل الجدران التي تمنحها المدينة ولا أحد يتضرر من سعر التذاكر لمشاهدته. فأين هي المشكلة إذا؟ المشكلة- بحسب بانكسي (أحد أهم فناني الشارع العالميين)- في "أولئك المكلفين بإدارة مدننا الذين لا يفهمون معنى فن الشارع لأنهم يعتقدون أن لا شيء يمكنه أن يوجد خارج إطار قيمة الربح. ففي حقيقة الأمر الذي يشوه مدننا هي الشركات الكبرى بلافتاتها الدعائية التي تظهر على المباني والأوتوبيسات لتجعلنا نشعر بأننا غير راضين إلا إذا اشترينا هذه السلعة".

يتحول كل شيء في عالمنا الرأسمالي (المتحضر) إلى سلعة: الملابس، الأكل، الماء، الفن والحب. لكن فن الشارع -حتى الآن- لا يباع ولا يشترى اللهم بعض زجاجات المياه والجنيهات القليلة التي يقدمها بعض من المارة أحيانا لترطيب الحلق أو لشراء الألوان. قد يكون ضربا من الخيال أن نتصور أن هناك فنا يمكن أن يوجد في مجتمع رأسمالي خارج إطار مفهوم السلعة، لكنه خيال محبب حققه فن الشارع. إنه يحاول أن يحفر طريقا لوجوده خارج الأطر الرسمية التقليدية ولكن إلى أي مدى سوف يستطيع فنانو الشارع الذين يرون مستقبلهم في هذا الفن أن يصمدوا أمام السوق وقوانينه. رفض كايزر على سبيل المثال أن يشارك في إحدى الحملات الدعائية لشركة عالمية للمشروبات الغازية باستخدام الجرافيتي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف لهم أن يعيشوا إذا، بأي مصدر رزق؟ اليوم نرى جنزير بعدما أخرج هو وآخرون الفن من القاعات إلى الشارع، نراه يعود بفن الشارع إلى القاعات ليعرض أعماله بقاعة شهيرة صغيرة المساحة بالزمالك. من سيربح المعركة ضيق القاعات أم براح الشارع؟ لا أعرف.

الجرافيتي عمل جماعي
إن فناني الجرافيتي الذين احتوى هذا الكتاب أعمالهم هم جزء من حركة أوسع وأكبر من الجماهير، التي استخدمت جدران المدينة وعلامات الطرق والأوتوبيسات وأنفاق المترو للدعاية لثورتهم. من خلال الجرافيتي تواصلوا مع أولئك الذين عرفوهم في الميادين خلال الـ18 يوما الأولى في المدينة الفاضلة. الفنانون المختارون يعبرون عن لقطة من مشهد كلي. فهناك جرافيتي المحافظات المختلفة وجرافيتي الألتراس الخاص بهم (رموزه وشيفراته) وجرافيتي الحركات السياسية المختلفة الثورية والمناهضة للثورة.

هوية الفنان معلومة كانت أم غير معلومة ليست هي القضية، فالمجهولون أكثر بكثير، على سبيل المثال، صور شهداء يناير التي انتشرت في الشوارع، لا يعلم أحد من الفنانين الذين التقيت بهم عن مصممها أو مصمميعها شيئا. فلا يوجد أبلغ من فن الجرافيتي لإظهار التعبير الشعبي الجماعي عن المقاومة بالفن الذي أبدع أدواته خارج مؤسسات الدولة. فالجملة الرسالة ملك للجميع، يشارك بها الكل. كما أتاحت آلية نشر التصميمات عبر تويتر وفايسبوك المجال أمام أعداد كبيرة من جمهور الجرافيتي فرصة المشاركة في تطبيقه على الجدران بل والتغيير فيه بالإضافة المناسبة واختيار مكان الحائط الذي يحمل الرسالة. ففي حملة أسبوع الجرافيتي العنيف تبنى الكثيرون حملة جنزير التي دعا لها وكان شعارها "إطبع، فرغ، رش". أما تفنيد الجداريات فمن السهل أن نتخيل أن المساحة المتاحة للارتجال كبيرة أثناء العمل على الأرض، تعطي للجميع الفرصة للمشاركة في الإبداع الفني. فمن بين كل من التقيت بهم من الفنانين، وجدت واحدا فقط يعمل بمفرده.

خاتمة
وأخيرا، في مؤتمر عن "سرد الربيع العربي" بجامعة القاهرة كنت أحاضر عن "فن الشارع" فجاءتني أسئلة كثيرة عن كيفية حفظ هذا الفن وتوثيقه في الإطار الرسمي للدولة. قلت إن كل هذا سيعتمد على مسار الثورة المصرية، فحتى هذه اللحظة تحارب الدولة المصرية فن الشارع وتنفق الكثير من المال لتمحوه فكيف لها أن تكون حافظة له. ولكن من حسن الحظ أن هذه الظاهرة خرجت من رحم الثورة فهناك الكثير من النشطاء والمدونين أخذوا على عاتقهم مهمة التصوير والتوثيق لفن الشارع.

قامت الدولة بمحو جدارية الشهداء في شارع محمد محمود أثناء الإعداد لهذا الكتاب في حملتها لـ"تنظيف المدينة" (من بقايا الثورة على ما يبدو). اتصلت أخت الشهيد رامي الشرقاوي بحسام شكر الله، حزينة لمحو صورة أخيها من على الجدار. ذهب مرة أخرى لرش الوجه: "أرش اليوم صور الشهداء وفاء للأهل. لا يعجبني ما استبدل جدارية الشهداء"، يشعر حسام أن الفنانين يريدون ملء الجدار وفقط. لكن ملء الحائط هو أيضا موقف سياسي وإثبات لحق هؤلاء على الحائط.

رسم إياد عرابي رجلا ملتحيا بوجه غاضب على الحائط الجديد، يعلو صورة الرجل الحديث الشريف "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، قدم أحدهم بلاغا ضده يتهمه بالإساءة للرسول الكريم. وهذه تهمة جديدة تضاف إلى مجموع التهم القديمة التي ورثناها عن نظام مبار. إنها لحرب الحيطان والثورة مستمرة.

نشر النص بإذن من الكاتبة والفنانة هبة حلمي
مقدمة كتاب جوايا شهيد، فن شارع الثورة المصرية/ إعداد: هبة حلمي، القاهرة، دار العين للنشر، 2013

تحويل الكتروني: وليد ضو