ناصردين الطفّار: "الراب" من أجل تغيير أبعد من الصوت

نشر في‫:‬الاربعاء, آب 21, 2013 - 13:35
ناصردين الطفار | بعدسة علي خليفة
الكاتب/ة: ناصردين الطفار، فرح قبيسي.

ناصردين الطفّار من فرقة "طفّار" التي أطلقها مع "جعفر" قبل أن ينفصل الثنائي مؤخرا. هو "مواطن من بعلبك - الهرمل" كما يحب التعريف عن نفسه. لديه رأي بما يحصل حوله، ويعبّر عنه بطريقته المعتادة التي "لا تتناسب مع الإعلام السائد والتقسيمات السياسية والتوازنات بالبلد (لبنان)" كما يقول. فوجد بالموسيقى البديلة، والإعلام البديل، والوسائل البسيطة للنشر، ما يختلج بنفوس العديد من الناس حوله ونفسه أيضا. لذلك، كان الحوار معه حول: الفن، الثورة، والتنظيم السياسي.

فرح قبيسي: ما الإضافات التي ترى أنك قدمتها في أعمالك كمؤدي "راب" عبر "طفّار"؟
ناصردين الطفار:
ساهمت "طفّار" في مسألتين أساسيتين، الأولى هي عبر نقل قوي لمضمون "الراب" من مستوى النقد والتلطيش والتصويرات اللغوية لمستوى الكلام القتالي المباشر. فبدلا من أن يدلّ المغنّي على الجرح، أصبحنا نضع اصبعنا في الجرح مباشرة، ونسمي المشاكل بأسمائها، ونحاول كسر حاجز الخوف. وتبع تجربتنا مؤدون "راب"، منهم القديم ومنهم الجديد، بعد أن أخذوا جرعة معنويات منها. فسرى الاعتقاد بينهم أن لـ "الراب" دور سياسي أساسي، ومن الممكن أن ينتشر دون استخدام تقنيات تسجيلية عالية، ودون إعلام وإعلان وتسويق تجاري، ودون الانزلاق إلى مستويات سفيهة لغويا وموسيقيا. أما المساهمة الثانية فكانت على مستوى المؤدي نفسه، والذي أصبح آخر ما يهمه هو الظهور بهيئة مؤدي "الراب" الذي يرتدي البنطال الواسع، ودون استخدام تعابير أجنبية، ودون الاعتماد على أسلوب كلام ملتوٍ. لم يعد مؤدي "الراب" "كاريكاتير" بل أصبح عاملا، وعليه مسؤوليات.

ما هو موقفك من الأغنية السياسية في لبنان، بشكل عام، والصمت الذي يكتنفها اليوم إزاء الثورات في المنطقة خصوصاً؟
موقفي من الأغنية السياسية في لبنان ليس جديداً، وهو سلبي، ليس لأنها سيئة بطبيعتها، بل لأنني أشعر أنها مغتربة عن الواقع، على شاكلة "هلموا لنتوحد" و"لا شيء يفرقنا كلبنانيين"، مثل أغاني الفرسان الأربعة أو غسان الرحباني. إذ لا أرى في هذه الأغاني سوى أنها سخيفة وتهدف إلى الإنتشار والكسر مع السائد لكن بشروط السائد نفسها. وقد كنت أتّكل سابقاً على الأغاني السياسية التي أنتجها "اليسار"، حيث كنت أتوهم، في مراحل المراهقة الأولى، بأنها الدواء. لكن مع الوقت اكتشفت أمرين:
أولا: أن الأغنية السياسية بمضامينها هذه، فارغة. فهي تستشعر واقعا ما، أكثر مما تحاول تحفيز المستمع وتحريك شيئاً جديداً داخله، بمعنى أن تكون مصدر وعي. فهي، وعلى العكس من ذلك، عبارة عن ترداد شعارات تُغنّى بدل أن تكتب كمقال.

ثانيا: اتضح لي أن المغنين الذين أفرزهم "اليسار" ليسوا إلا مجموعة تجار، وهم أيضا يحاولون كسر السائد لكن بشروطه، بدليل أنهم انسحبوا خلف الطائفة مرة، وخلف المال مرات، وخلف الشهرة، واسترضاء الجمهور، أيضاً عندما طُلب منهم اتخاذ موقف سياسي في المرحلة الراهنة. فعلى سبيل المثال، شكل لي زياد الرحباني خيبة أمل أسطورية، خصوصاً بعد تنظيمه لحفلة في "سوليدير" في أسواق بيروت"، علماً أنه كان قد منع فيروز من الغناء في ذلك المكان سابقاً، لأنه كان ضد مشروع الحريري الاقتصادي وضد "سوليدير".

من هو جمهورك وهل تعتقد أنه واحد أم متعدد؟
مع تحفظّي على كلمة "جمهوري"، لطالما كان من يستمع إلى أغانينا ينتمي إلى ملل ومجموعات وتوجهات مختلفة. فعندما أطلقنا أغنية "الوسخ التجاري"، عادانا قسم كبير ممن ينتمون إلى 14 آذار، والتف حولنا العديدين بسبب محتوى الأغنية الذي تناول الصراع الطبقي في لبنان. وأغنية "جورج" عرّفت جزءا جديدا من أوساط اليسار غير الشبابي على أعمالنا. إلا أنني أعتقد أن الانعطافة كانت مع بداية الثورة السورية، إذ خُذِل من كان يستمع إلى أغنياتي كناطق بلسان "الشيعي"، ذلك لأنني قاربت الثورة من منظور مغاير، فلم أَدَعْ الظروف الطائفية والسياسية الظرفية تعميني عن القضية الأساس وهي الحرية، حرية الناس إلى أية طائفة انتموا. لذلك تمّت مقاطعتي وتخويني وتوجيه الشتائم إلي، في الوقت الذي حافظت فيه على الانحياز الدائم للطبقات المسحوقة، إلى جانب انحيازي للثورة السورية. إلا أنه، وفي المحصلة، كانت عائدات هذا الموقف المعنوية إيجابية أكثر مما هي سلبية، فقد نلت شرف الاستماع إلى أغنياتي في سوريا، حيث تعرفت على فرقة "راب" "لتلتة" التي أعدّها تجربة سورية رائعة. أما الأهمّ اليوم هو شعوري بأنني أستطيع التعبير عن كل ما يختلجني خارج الإطار المعلّب الذي بدأت فيه مع زميلي جعفر في "طفّار".

هل لمستَ أثرا في الوسط الذي تتناوله في أغنياتك، خصوصاً سائقي "الفانات" والمزارعين؟
لو لم نلمس هذا التأثير لما كنا أكملنا ما بدأناه. أغانينا يتم تداولها عبر الهواتف النقالة بين سائقي "الفانات"، كما نلنا دعما معنويا رائعا من كل شرائح مجتمعنا، بخاصة من قبل الطفّار الأصليين. ففرحتهم لا توصف، وذلك لأنهم وجدوا من يتكلم باسمهم، ويكسر الصورة النمطية المرسومة عنهم، ويطالب بحقوقهم الانسانية الطبيعية.

لماذا اخترت "الراب" كوسيلة تعبير سياسي؟
لطالما كانت الموسيقى اولويّتي منذ الصِغَر. إذ اضطررت للبحث عن الموسيقى تحت الأرض لأنني لم أجد شيئا مفيدا في الموسيقى التجارية المنتشرة على الراديو والتلفزيون والإنترنت. فاكتشفت، ولا أزال أكتشف، جواهرا موسيقية لم ولن تعرض على الشاشات. و"الراب" هو أب وأم الموسيقى تحت الأرض تلك. فهو النوع الموسيقي الوحيد تقريبا الذي يسمح للمؤدي وللمؤلف الموسيقي أن يأتي بما يخطر في باله، وأن يتكلم بما يحلو له ويعبّر عنه بحرية مطلقة، ودون أن تحده الضوابط الموسيقية، والسياسية، والتجارية، وحتى تلك الأخلاقية. وأقصد بالأخلاقية ذلك النموذج النمطي للأخلاق الذي تضعه السلطة المجتمعية لضمان عدم المس بالأصنام.

هكذا وُلِدَ "الراب"، وهكذا يجب أن يبقى، لا يغنّيه إلّا من يرتبط بمضمون أغنياته. فليخرس العنصري التافه الذي يتضامن في أغنية مع الشعب السوري ويقرف منهم في الشارع، وليخرس من يغنّي عن فقراء شعبه وهو يسكن في باريس، وليخرس من يتضامن مع ضحايا البرد وهو يخشى على معطفه من المطر، وليخرس من يستخدم في أغنياته كلمات يخجل من استخدامها امام أهله، وليخرس من يسبّ في أغانيه أشخاصاً هم في الحقيقة من أصدقائه ومعشره اليوميّ، وليَخرس من يشجّع الناس على قتل الأعداء وهو في حياته اليومية ذليل يقبّل الأيادي، وليخرس من يسبّ الدولة وصديقه مخبر ووالده يحرّر محاضر ضبط بحق أهل الشارع نفسه الذي يدّعي تمثيله، والأهم أن يخرس من يشتم المجتمع الراقي وهو ما أن يجلس بينهم يصبح من المستحيل تمييزه عنهم.

ما هو دور اللغة في الأغنية؟ وما هو موقعها في عملية التغيير السياسي؟
اللغة هي عصب الأغنية، ونحن نقدم شعرا مقفّى ومكثفا، أي أنه حقل ألغام قائم على اللعب بالكلام وتحويله أداة لخلق وعي باتجاه التغيير. أهتم كثيرا بموضوع اللغة، وأحرص على استعمال كلمات غير سائدة في الأغنيات بهدف تعريف الناس بها. فعلى سبيل المثال، عندما أغني عن "اليسار"، على الرغم من أن 90% من محيطي لا يعرف ما هو "اليسار"، تتولد لديهم أسئلة من نوع: "ما هو اليسار"؟ كما أحاول جاهداً تبسيط فكرة معقدة قد لا يستطيع المستمع قولبتها بجملة صغيرة مثل قولي: "ما في فرق بين البعص والنّصرة". فالجملة هذه تغني عن نقاش طويل. لذا، تأتي اللغة هنا لتبسيط فكرة أو لتعقيدها، خصوصاً إذا ما اخترت تعقيد فكرة تعتبر من المسلمات أو البديهيات.

تسري النزعة الفردية غالباً لدى الفنانين، سواء بين المسرحيين أو المغنين أو الموسيقيين... إلخ، حيث هناك اعتقاد بأن التنظيم السياسي يصيب إبداع الفنان\ة بمقتل. هل أنت مع هذا الرأي؟
أعتقد أن التنظيم السياسي يعيق إبداع الفنان في لبنان، ذلك لأنه لا تنظيم ولا سياسة حقيقيان، فمنهما تنبعث الرائحة العفنة للطائفية والعنصرية والقبلية والطبقية. لذا، وبحسب معرفتي، لا وجود لتنظيم سياسي جدي وفاعل قادر على احتضان تجربة موسيقية جريئة لحد الوقاحة في تعبيرها عن الواقع الأشد وقاحة.

ما أقوله لا يعني أنني أؤيد النزعة الفردية تلك. فبُعدي عن أي تنظيم ليس خوفا من فكرة التنظيم السياسي أو كرها به، بل لأنني لم أجد التنظيم الذي يعبر عني بشكل حقيقي بعد. فأنا أولا وأخيرا أنادي بمجتمع اشتراكي وأقدم فنا جماعيا ولم تطغ يوما "الأنا" في أغنياتي. بالتالي، أرى أن قتل الإبداع ليس نتيجة حتمية لانخراط الفنان بتنظيم.

ما هي نظرتك الشخصية لعلاقة الفن بالثورة؟
"الراب" والثورة وجهان لعملة وحدة، إذ أن غير الغاضب من النظام القائم لا يجب أن يؤدي "الراب"، وإلا كان ذلك دلالا أو ادعاءً وكذبا. لكن نبالغ إن قلنا أن "الراب" العربي هو ما مهد لسقوط الأنظمة ويقظة الشعوب المفاجئة. ذلك على الرغم من وجود تجارب عالمية متعددة كانت فيها الموسيقى محركا قويا للشعوب. لكن في بلادنا العربية كان الوضع معاكسا. فعندما بدأ الحراك الشعبي، تنبهت الناس لما كنا نغنيه منذ سنوات. ففي بلادنا، ضغط الأنظمة المخيف يجعل من "الراب" مساحة واسعة جدا للتعبير عن الذات. أما التحدي الأكبر فهو بقدرة الفنان على الالتزام بما يغنيه أم أنه سينسحب عند أول منعطف، لأن "الراب" هو بالأصل لسان من يعاني من التمييز والاضطهاد والعنصرية وضغط الأنظمة، وهو أيضاً دعوة للتغيير يجب أن تتطور ليصنع تغييرا يترك أثرا ملموسا أبعد من الصوت.