أغاني الثورة السورية، أو الشوكة في حلق النظام

نشر في‫:‬الأثنين, آب 19, 2013 - 23:46
تحية إلى روح الشهيد تامر العوام | غاب نهارٌ أخر... | العمل ليارا النجم
الكاتب/ة: سلمى كريم.

لم نصل بعد إلى المكان والزمان الذي نجلس فيه كسوريين لنتحدث عن كل ما غيّرته الثورة فينا، وبخاصة التفاصيل الصغيرة. فثورتنا لم تنتهِ بعد، وما زلنا مضطرين إلى الحديث عمّا يحصل كل يوم من دمار وقتل وتهجير وجوع وقهر، ومقاومة ونشاطات مدنية وغير مدنية.... لكننا، اليوم، نسترِقُ بعض اللحظات لتقييم أو لحصر بعض المتغيرات، أو حتى لملاحظتها قبل أن نفقد القدرة على ذلك.

وفي خضم الحديث عن الفن والثورة السورية، وبشكل خاص الموسيقى والأغاني التي أنتجتها الثورة، لا بد أن نتذكر نوع الموسيقى التي كنا نستمع إليها قبل الثورة، وأن نسأل أنفسنا‫:‬ ما الذي كنا نعرفه عن تراثنا الشعبي الموسيقي في المناطق السورية؟ ما هو نمط الأغاني والأهازيج التي أنشدها المتظاهرون وعمّاذا عبّرت بالضبط؟

‫كان المواطن السوري قبل الثورة متلق في معظم الأحيان، وفئة قليلة هي من كانت تتحكّم بما تسمعه الأذن السورية في كافّة المناطق‬. فإذا ما تكلمنا عن الأغاني والموسيقى المحلية، نلاحظ أننا كنا نستمع، مضطرين معظم الأحيان، منسجمين وراغبين أحياناً أخرى، إلى نمط واحد من الموسيقى المحلية، أو إلى نمط مستمد من منطقة واحدة ومنتشر في كل سوريا‫ بمعنى آخر.‬ إذ يبدو أننا اعتدنا، وحتى قبل هذه الفترة، ولأسباب عدّة، على تلقي الفن وعدم التفكير في صناعته أو استنباط التراث ونشره‫.‬

فئة قليلة غير مدعومة مادياً أو معنوياً، كما هو حال بعض الفنانين المبتدئين ممن تخرّجوا من المدارس الفنية في سورية، والذين لا نحتاج لأكثر من أصابع يد واحدة لعدّهم، حاولَتْ نشر نوع جديد من الموسيقى يعتمد على العزف على آلات موسيقية حقيقية، وتناولَتْ بعض القضايا المجتمعية التي تمسّ الشباب يومياً بعيداً عن قضايا الحبّ والغرام والعشق المتداولة في الأغاني دائماً وأبداً‫.‬

إلا أن انتشار هذه الفئة كان محدوداً ومحصوراً في طبقة معينة ‫"‬كالطلاب أو المتعلمين والمثقفين من أعمار معينة‫"‬، ‫‬بالإضافة إلى فئة الفنانين المستقلين القادرين على دعم أنفسهم مادياً، ممن كانوا يعزفون ويغنون في أماكن معينة ولطبقة معينة- ‫"‬البرجوازية‫".‬ أما تراث المناطق السورية فقد كان مطموساً كليّاً، فعلى سبيل المثال لم يعرف ابن درعا ما هو تراث منطقة حمص الموسيقيّ، والعكس أيضاً صحيح، حتى أن كل منطقة تتذكر وبصعوبة تراثها الموسيقي ولا تفكّر بنشره أو العمل على تطويره، بالرغم من أن الأمر لم يخلو من بعض الجهود الفردية من هنا وهناك‫.‬

عندما بدأت الثورة، ثار السوريون على كلّ شيء حيث وجد السوري نفسه حراً في تأليف ما يشاء من كلمات تعبّر عن واقعه وما يمرّ به، فوضع اللحن الذي يناسبه ويلقى قبولاً عاماً، ولأول مرة أصبحت تلك الأغاني لا تحتاج لترخيصٍ أمني، أو لدعم ماديّ، بل ليدٍ تكتب ولحناجر تصدح، والجمهور موجود وجاهز ولا حاجة لتجميعه، بل على العكس هو بانتظار هذه الانتاجات الموسيقية المعبِّرة عن حاله، ليرددها وينشرها‫.‬

فمن درعا سمعنا‫ "يا حمص حنا معاكي للموت" بلحن من التراث الدرعاوي أو منطقة حوران بشكل عام، وانتشر ليعمّ كل تظاهرات سوريا. ومن حماه سمعنا "عالهودلاك" بكلمات جديدة تتحدث عن الثورة وعما يحصل في المناطق السورية الثائرة. ‬وبذلك تعرّف الشعب السوري على التراث الموسيقي الشعبي لمناطقه، بطريقة عبّرت عنه وعكست هويته الحقيقية‫.‬

وقد ظهر نوع آخر من الفن الثوري نتج عن تعاون وتفاعل تلقائي بين أبناء الشعب السوري الثائر، من مؤلفي ومرددي الأهازيج الثورية ومن فنانين سوريين معروفين مسبقا، مثل ‫"‬سمفونية القاشوش‫"‬ التي ألّفها مالك الجندلي ابن حمص، العازف والمؤلف الموسيقي الشهير الذي اضطر إلى مغادرة البلاد بعد أن تعرّض هو وعائلته إلى مضايقات مباشرة من قوات الأمن السورية‫.‬ قام مالك الجندلي بتأليف سمفونية استمدّ لحنها الأساسي من إحدى الأغاني الثورية الشهيرة التي رددها القاشوش ابن حماه في المظاهرات، وكذلك الحال مع فرقة "نشامى" التي تتكون من عدد من خريجي المعهد العالي للموسيقى في دمشق، والتي ألّفت موسيقى شعبية جديدة مبنية على أغاني وهتافات المظاهرات‫، مثل أغنية "جنّة جنّة جنّة" التي غنّاها عبد الباسط الساروت‬ حارس مرمى نادي الكرامة الحمصيّ لكرة القدم، وأغان أخرى متقنة موسيقياً، نشرتها داخل وخارج سوريا وذلك للتعريف بالثورة السورية وفنونها‫.‬ كما وعبّرت محاولات عديدة عن تضامن شعبي يعكس الرغبة في كسر الحواجز الوهمية التي كانت موجودة مسبقا‫.‬

وإذا ما وسّعنا مجال الرؤية، أو تناولنا فن الثورة السورية الموسيقي من زاوية أخرى، للاحظنا غياب الأغاني الحماسية أو الثورية بالمعنى الذي اعتدنا عليها، كالذي قدّمته لنا فرقة العاشقين الفلسطينية أو أغاني مرسيل خليفة وسميح شقير‫ عن فلسطين أو عن المقاومة ضد الاحتلال. فمن أغنية "يا حيف" التي ألّفها سميح شقير في بداية الثورة السورية وحتى يومنا هذا، نلاحظ غلَبة طابع الحزن والألم على أغاني الثورة أكثر من أي شيء آخر. والسبب يعود إلى كمّ الحزن والفاجعة الذي تعرض له السوريون منذ بداية الثورة، بالإضافة إلى عدم قدرة السوريين على نسيان حقيقة أن عدوهم سوري أيضا. فبالرغم من فخرهم بثورتهم وبما يضحون في سبيلها، إلّا أن السوري يتمنى في داخليته لو أنه يثور على محتل خارجي، أو أن يُقتل بسلاحه، فهناك شعور بالخزي والصدمة ينتابه لأن من يعامله بكل هذه الوحشية والحقد هو ابن بلده، وهذا أيضا سبب احتواء معظم أغاني الثورة السورية على حوار مع عدو الثورة المتمثل بالنظام السوري. حيث وعلى الرغم من الرفض الشعبي للحوار مع النظام، إلّا أن الكثير من الأغاني كانت تحاوره، وأغنية "يا حيف" خير مثال على ذلك خصوصاً حين تقول: "وأنت ابن بلادي، تقتل بولادي، وعلي هاجم بالسيف… يا‬ حيف‫"‬، وأغنية أو أهزوجة ‫"‬طيب اذا منرجع‫..‬ توعدنا تسمعنا‫"‬، أو حتى أهزوجة ‫"‬يللا إرحل يا بشار‫"‬، وهذا على عكس الأغاني الثورية الموجهة ضد محتل خارجي والتي تحث دائماً على المقاومة والنضال من دون أي حوار‫.‬

أما عن اختلاف ما كنا نستمع إليه قبل وبعد الثورة، فقد تغيرت العادات الموسيقية لمعظم السوريين المشاركين في الثورة، حيث تابعوا واستمعوا وما زالوا إلى انتاجات الثورة من أغانٍ وموسيقى، بعد أن انهارت أساطير العديد من الموسيقيين العرب الذين كانوا يستمعون إليهم بشكل يومي، خصوصاً الملتزمين منهم والذين كانوا يدّعون نصرتهم للشعوب الثائرة‫.‬

نقول هذا ولا نريد الانتقاص من التَرِكة الفنية لبقية الثورات، إلّا أن ابداعات الثورة السورية التي لم تؤرشف أو تنشر كما يجب حتّى اليوم، ستشكّل علامة فارقة قي تاريخ فنون الثورات‫.‬ طبعاً من دون إغفال جهود ومبادرات سورية عديدة تعمل على جمع هذه الفنون ونشرها‫.‬

الحرية للشعب السوري الثائر