البطالة في لبنان بين الواقع والحل

نشر في‫:‬الجمعة, حزيران 21, 2013 - 15:10
الكاتب/ة: اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في لبنان الشمالي.

دراسة لإتحاد نقابات العمال والمستخدمين في لبنان الشمالي نسقها واعدها مسؤول الاعلام والتثقيف النقابي في الاتحاد (عضو مجلس تنفيذي لنقابة عمال البناء في الشمال) علي حمام بإشراف رئيس الاتحاد شعبان عزت بدرا

واقع البطالة في لبنان
ليست قضية البطالة التي نتطرق اليها اليوم هي الأولى من نوعها، بل على العكس هي عينة من مأساة الغالبية العظمى من أبناء الشعب اللبناني الذي كان ولا يزال يدفع الأثمان الباهظة بسبب التقلبات السياسية والأمنية. فالبطالة في لبنان تخطت الخطوط الحمر كلها، ووصلت الأمور الى حائط مسدود، والوضع المعيشي القائم بات يهدد شريحة كبيرة من الناس وينذر بأزمة خانقة واللافت أن التكلم عن موضوع البطالة بات من المحرّمات على ما يبدو رغم تحذيرات الإقتصاديين من استفحال هذه الأزمة المؤثرة بشكل دراماتيكي على الوضع المعيشي للمواطن اللبناني. موضوع البطالة، والذي أصبح يشكل أو يوصف بـ «المرض العضال» الذي لا شفاء منه، يعتبر من المواضيع الرئيسة التي تشكل مادة دسمة لأي حكومة في أي مجتمع وما ترافقها من مشكلات تعصف بالمجتمعات وتجعل شبابها في مهب الريح.

نسبة البطالة في لبنان غير معروفة في ظل غياب أي إحصاءات من وزارة العمل، ولا نغالي إذا قلنا أنها تتعدى 37 %، وهو وضع في حال وجوده في دولة أخرى يطيح بالحكومة، لأنه لا يمكن التلاعب بلقمة عيش المواطن! هجرة الشباب تدق ناقوس الخطر، وهي خير دليل على ارتفاع معدل البطالة، ورغم إعطاء التعليمات للسفارات بالتشدد من ناحية إعطاء التأشيرات لا تزال الأرقام مخيفة. وفي ظل غياب الأرقام الرسمية لعدد العاطلين عن العمل في لبنان حالياً، إلا أن التقديرات تشير إلى أن البطالة وصلت إلى 37%. بمعنى آخر هناك عاطل عن العمل من اثنين خسر وظيفته لأسباب اقتصادية، وهو التعبير المستخدم لتغطية حالتين: إما أن يكون صاحب العمل قد أقفل مؤسسته، أو أن المستخدم صرف بداعي تقليص عدد العمال.
ويوضح الخبير الاقتصادي الدكتور كمال حمدان أن البطالة المقنعة في لبنان وصلت الى حدود الخمسسين في المئة، مؤكدا أن عدد المهاجرين من الشباب والشابات بلغ أكثر مليون مهاجر خلال خمسة وعشرين عاما.

وأشار حمدان الى أنه في العقدين الماضيين، بلغت الواردات مئة وعشرين مليار دولار والإنفاق الجــاري مئة وخمسة ملايين، بينما بلغ الاســـتثمار خمسة عشر مليارا، فيما وصـــلت خدمة الدين الى سبعين مليار دولار، ولفت الى ان الدولة تدفع الفـــاً ومئة مليار على الصحة حاليا، وكل ما تحتاجه لضمان اللبنانيين هو ألفان ومئتا ملــيون ليرة لبنانية.

مشكلة البطالة ناتجة عن خلل على الصعيدين الكمي والنوعي في العرض والطلب، وعن تدفق اعداد كبيرة من اليد العاملة غير اللبنانية وتفيد الدراسات عن ارتفاع معدل البطالة في الوقت الحاضر نسبة إلى السنوات الماضية في ظل عمليات الصرف من الخدمة والركود الاقتصادي. وزادت الأزمة حدة جراء اعتماد الاقتصاد اللبناني على الخدمات الأكثر تعرضا بسبب الأحوال الأمنية والسياسية، مما ادى الى تسريح آلاف العمال أخيرا فيما باتت البطالة اضعافا في الصناعة والزراعة اضافة الى نمو سكاني يفوق النمو الاقتصادي.

فقد أصبح الصرف الجماعي والإفرادي يحصد عمال لبنان بالجملة والمفرّق. أكثر من 1083 عاملاً فقدوا وظائفهم عام 2012 وفق آلية الصرف الجماعي، ونحو 665 عاملاً صُرفوا إفرادياً. حصيلة «المجزرتين» تفوق 1748 عاملاً. هذه الأرقام الواردة في سجلات وزارة العمل تشير الى مدى انزلاق مؤشرات عيش اللبنانيين إلى الحضيض في ظل نظام اقتصادي يعتمد على الريوع لتحفيز النموّ.

الفقر في طرابلس
وإذا كنا نتحدث عن البطالة في لبنان وبأنها وصلت الى حد ينبئ بكارثة اقتصادية ان لم تبدأ المعالجة الفورية وتوضع الخطط والحلول فإن الوضع في طرابلس والشمال قد اصبح كارثيا بالفعل فقد اشارات عدة دراسات إلى أن نسب الفقر، والبطالة، والأمية، والمشكلات الصحية قد بلغت ذروتها، مقارنة مع النسب الوطنية العامة، الأمر الذي قد ينذر بعواقب وخيمة إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، وأن شرارة الانفجار ستبدأ من مناطق التبانة والسويقة والأسواق القديمة التي تعاني من أسوأ النسب تنموياً.

أن طرابلس تتجه يوما بعد يوم إلى المزيد من الانهيار على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، وذلك بفعل الأزمات المتلاحقة التي ترخي بثقلها عليها، وفي مقدمتها الأزمة الأمنية وجولات العنف التي باتت تعطل الحياة بشكل شبه كامل وتنعكس شللا كاملا في كل المرافق. وتشير إحدى تلك الدراسات إلى حجم الفقر في طرابلس على المستويات جميعها، وتفاوته بين شارع وآخر، لافتة النظر إلى أن 51 في المئة من السكان يعانون من فقر مدقع، وأن مدخولهم لا يتجاوز الأربعة دولارات في اليوم، لتظهر بأن مناطق التبانة والسويقة والأسواق هي من أكثر المناطق فقراً، (معظم السكان تحت خط الفقر). وهي إذا ما استمرت على ذلك المنوال فإنها ستنذر بعواقب وخيمة على المجتمع اللبناني ككل وليس على طرابلس وحدها. وتقول الدراسة إن نسبة الأمية تبلغ 11 في المئة في طرابلس عموما، وفي التبانة 19 في المئة، وفي زيتون طرابلس 12 في المئة، وفي زيتون شمال طرابلس 9 في المئة، وفي المدينة القديمة 13 في المئة. كما أن نسبة الجامعيين تشكل ربع السكان في المدينة وهم يتوزعون في بساتين طرابلس (الضم والفرز) والشوارع الجديدة والميناء. وتقل تلك النسبة في الأحياء الداخلية والمناطق الأسوأ، لا سيما في التبانة والسويقة. كما تشير الدراسة إلى أن منطقة أبي سمراء باتت من المناطق الأكثر عشوائية نظراً للنزوح الكثيف إليها ما يضعها مجددا ضمن المناطق الأكثر فقراً في المدينة.

وفي مجال الصحة، تشير الدراسة إلى أن 73 في المئة من أسر طرابلس ليس لديها تأمين صحي، في حين أن النسبة الوطنية ككل هي 52 في المئة، والأخطر أن تلك النسبة ترتفع في منطقتي التبانة والسويقة لتصل إلى 90 في المئة ما يعني أن الأزمة كبيرة وحقيقية.

وعن مؤشرات النشاط الاقتصادي تفيد الدراسة إلى ان نسبة الأسر التي يقل دخلها عن 750 ألف ليرة لبنانية، هي 25 في المئة. أما من هو دخله فوق الأربعة ملايين ليرة لا يتجاوز 5 في المئة. وتخلص الدراسة إلى القول إن نسبة الفقر بحسب دليل الحرمان الحضري أثبتت أنها الأكثر ارتفاعاً في التبانة والمدينة القديمة، داعية إلى بحث جدي للمعضلة وإيجاد الحلول الناجعة للحد من تماديها، ومن انعكاساتها السلبية على المدينة.

الأزمة السورية وتداعياتها على الوضع الاقتصادي
مع دخول الأزمة السورية عامها الثالث واشتداد حدتها، يبقى لبنان الملجأ الأقرب للنازحين السوريين، مترنحاً بفعل هذا النزوح وما سيخلفه من آثار سلبية على أبنائه.

أعداد النازحين السوريين على أرض لبنان في ازدياد مطرد، احصاءات غير رسمية تقول إن أكثر من مليون ونصف المليون سوري دخلوا لبنان من بوابات العبور الشرعية مع بلدهم، منهم ما لا يقل عن مليون مواطن عبروا بصفة لاجئ و500 ألف دخلوا لبنان مفضلين عدم تصنيفهم كلاجئين.

الارتفاع التدريجي لعدد النازحين السوريين القادمين الى لبنان بدأ يثير المخاوف والهواجس على مستويات عدة، سياسية واقتصادية واجتماعية، وخصوصاً في ظل دقة الوضع اللبناني وغياب المبادرات الدولية والعربية الجدية لمساعدة هؤلاء النازحين وتجنيب لبنان تداعيات هذا الملف. قضية النازحين السوريين في لبنان تحولت الى قنبلة موقوتة توشك على الانفجار، إذ يكفي الاستناد الى المعدل اليومي لدخول النازحين الذي يقارب الـ2600 نازح تقريباً حتى نرى معالم الخطر الآتي.

أعداد هائلة تدخل الى لبنان مما أدى الى تغيير في الواقع الاقتصادي لمعظم المناطق اللبنانية، من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب دون نسيان البقاع الغربي وحتى بيروت . تركيبة جديدة أدت الى تفاقم الازمة الاقتصادية في لبنان وذلك مع ارتفاع عدد المؤسسات التي افتتحها السوريون كصالونات الحلاقة، والأفران، المقاهي والمطاعم وحتى وسائل النقل العام،

فالسوريون نقلوا مهنهم الى لبنان وافتتحوها بالعشرات، والأسعار المتهاودة التي يتعاملون بها تثير شكوى التجار والمهنيين في حين تبقى الدولة غائبة حتى عن إحصاء الأعداد.

بدأت الأفران والمقاهي والمؤسسات التجارية السورية بالانتشار(أكثر من 260 مطعماً في البقاع الغربي، و9 أفران في عكار وطرابلس، و3 في البترون، و5 في جبيل....)، كذلك باعة الكعك والخضار والفاكهة المتجولون إذ تراهم بكثرة في القرى والبلدات التي لجأوا إليها، حيث تلحظ انتشار مئات عربات بيع الخضار والفاكهة على الطرق ومفارقها، كما ان صالونات الحلاقة الرجالية والنسائية السورية بدأت بالانتشار لاسيما في طرابلس، عكار، المرج، سعد نايل وبر الياس وحتى البترون ناهيك عن انتشار مطاعم وسناكات وأفران سورية حتى في بيروت، كالنبعة وبرج حمود وجل الديب والدورة.... الأمر الذي فتح باب المنافسة والمزاحمة بين السوريين، وبينهم وبين اللبنانيين الذين للأسف بدأوا بتأسيس أعمال تجارية مشتركة مع سوريين متمولين، أو نجحوا في تهريب أموالهم ومعدات مؤسساتهم للاستثمار هنا.

كما اثر وجود العمال السورين على القطاعات المهنية كصانعي الاحذية والجلديات وعمال الطباعة والتجليد عمال البناء عمال الميكانيك وعمال الخياطة وايضا قطاع النجارة والمفروشات.

مزاحمة في الأجور
وما يزيد الأمر تعقيداً القرار الذي أصدره وزير العمل “جريصاتي “ بتاريخ 2 شباط (فبراير) 2013 القاضي بتعديل المادتين 8 و9 المتعلقتين بتنظيم عمل الأجانب في لبنان وذلك لمصلحة المواطن السوري فقط، فأصبح بإمكان النازح السوري، اضافة الى تأسيس المؤسسات الخاصة به، العمل كمدير أو نائب مدير أو أمين صندوق، محاسب، سكرتير، طاهي مأكولات، التدريس، الخياطة، التمريض، الصيدلي، أعمال التجميل.... مما فتح باب المنافسة والمزاحمة بين طالب الوظيفة اللبناني والنازح السوري، واللافت ان وسائل الاعلام المكتوبة بدأت تتلقى من قبل المؤسسات اللبنانية وحتى الصيدليات طلبات توظيف محصورة بالنازحين السوريين فقط دون سواهم وذلك بسبب تدني أجورهم.

وبجولة ميدانية في شوارع لبنان ترى (إضافة الى الأفران والمطاعم السورية) تفشي ظاهرة السائقين العمومين من أصل سوري (أكثر من500 سائق في بيروت) و120 تقريبا في ضواحي عكار، طرابلس، البترون، الكورة و90 في البقاع.
ورقة عمل للنقاش
ماذا نستطيع ان نفعل؟؟

آليات التحرك والحلول
البطالة حالة لا يمكن معالجتها من طرف واحد أو ظرف محصور.. بل تعالج في إطار التنمية والفرص الاستثمارية.. وأن جهدا علميا إداريا فعليا مطلوبا قبل حل مشكلة البطالة التي تتمثل في 4 نقاط رئيسية:
1- حل النزاع والأزمة السياسية وتحقيق استقرار سياسي وأمني.

2- وضع برنامج نمو اقتصادي شامل في قطاعات تولد فرص عمل.

3- تدعيم هذه الخطة بسياسات توظيف خاصة وسياسات اجتماعية مناسبة،

4- ووضع خطة إعلامية واضحة تتناول القضية من مختلف نواحيها: بدءاً من المنهاج التربوي وصولاً إلى سوق العمل.
إزاء هذا الوضع المنذر بانفجارخطير ماهي الحلول وماذا نستطيع ان نفعل؟

أولا : فيما يتعلق بموضوع الوافدين السوريين فأن الحل يكمن بالضغط لإعادة النظر بقرار وزير العمل، وباتخاذ إجراء بحق كل صاحب عمل لا يلتزم بتسجيل موظفيه لدى الضمان الاجتماعي، كما يفترض ملاحقة كل أجنبي يقود سيارة عمومية دون حيازة على رخصة قيادة عمومية لبنانية.

وفي حال استمر الوضع على ما هو عليه سنشهد موجات من الغضب والتذمر وحتى موجات من النقمة والتصرفات غير اللائقة المتنقلة ما بين المناطق من قبل اللبنانيين تجاه النازحين بسبب انتشار البطالة لدى اللبنانيين ومزاحمة اليد العاملة السورية لهم.

ثانيا: الضغط على الوزارات المختصة كوزارة العمل ووزارة الاقتصاد والصناعة من أجل منع ممارسة العمال الاجانب الاعمال دون اذن مسبق ومنع دخول البضائع المستوردة التي تزاحم المنتوجات الوطنية ونذكر منها المفروشات والاحذية والالبسة.

ثالثا : الضغط على الحكومة لأجل تنفيذ القرارات المتخدة من قبل الحكومات المتعابقة لجهة تشغيل وتفعيل القطاعات التالية على سبيل المثال لا الحصر:

- مطارالشهيد رينه معوض الذي يوفر ما يقارب 5000 فرصة عمل.

- تطوير وتشغيل منشآت النفط في طرابلس والتي توفر ما يقارب 3000 فرصة عمل.

- تجهيزوتحديث مرفأ طرابلس أسوة بمرفأ بيروت والذي يوفر 3000 فرصة عمل.

- تأهيل وتشغيل معرض الشهيد رشيد كرامي الدولي والذي يوفر مايقارب 10000 فرصة عمل.

وبالختام لا بد من الإشارة الى العجز الحاصل في مكتب الضمان الصحي والاجتماعي في طرابلس نتيجة نقص عدد الموظفين اذ انه يوجد في المكتب 26 موظف من أصل 84 يفترض وجودهم مع العلم بان عدد المنتسبين للضمان 38000 منتسب بماينعكس سلبا على المستفيدين والتأخير في انجاز المعاملات وأيضا في جهاز الرقابة والتفتيش .