الإدارة اللبنانية بلا رأس... وحبل التعاقد على الجرار

نشر في‫:‬الأثنين, ايار 27, 2013 - 16:11
الكاتب/ة: فاتن الحاج.

نحو شهرين ونيف مضى على إحالة رئيس مجلس الخدمة المدنية القاضي خالد قباني على التقاعد. المجلس مشلول وعاجز حتى عن إجراء المباريات ولا ينطبق عليه مبدأ تسيير المرفق العام، فيما الإدارة اللبنانية في مهبّ التعاقد الوظيفي

يفرض التعاقد الوظيفي نفسه أمراً واقعاً مع استمرار شلّ هيئة مجلس الخدمة المدنية، رأس الإدارة في الدولة اللبنانية. ففي التعليم الرسمي مثلاً، يطاول التعاقد ثلث أساتذة التعليم الثانوي ونصف أساتذة التعليم الأساسي ونحو 90% من أساتذة التعليم المهني.

وبتجميد مباريات دخول ملاك التعليم الثانوي الرسمي التي أعلنها المجلس أخيراً بعد صدور مرسوم بشأنها في مجلس الوزراء، علت صرخة رابطة الأساتذة للضغط باتجاه «اعتماد أولوية تسيير المرفق العام المتمثل هنا بمجلس الخدمة المدنية، العاجز حتى عن إجراء المباراة لإدخال موظفين وأساتذة في الملاك، بينما يستمر بازار التعاقد الوظيفي على حساب حقوق المتعاقدين الحاليين والوظيفة العامة وديمومة العمل».

ومع ذلك، ليست مباريات دخول الأساتذة في الملاك وحدها التي تجمّدت بشغور مركز رئاسة المجلس الذي كان يشغله الوزير السابق د. خالد قباني، المحال على التقاعد من سلك القضاء منذ 13 شباط الماضي، من دون أن يعيّن أحد مكانه، لا بالوكالة ولا بالأصالة، بل كل القرارات والمعاملات التي تحتاج إلى توقيع من هيئة مكتب المجلس المكوّنة من الرئيس والعضوين: رئيس دائرة الموظفين أنطوان جبران ورئيسة إدارة الأبحاث والتوجيه نتالي يارد. ومن بين القرارات التي علقت بخروج قباني، أربعة مراسيم لأربعة سفراء معينين في الخارج، سوّيت قضيتهم أخيراً.

استقالت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي إذاً في 22 آذار الماضي، أي بعد شهر وأسبوع من تقاعد قباني ولم تعيّن بديلاً من الرجل. ولا يبدو أن هناك إشارات إلى إبصار حكومة الرئيس تمام سلام النور في المدى المنظور، ما يعني أن المجلس مشلول إلى أجل غير مسمى.

لكن ليست المرة الأولى التي يواجه فيها المجلس وضعاً مماثلاً في تاريخه، بل وقع ذلك مرات عدة وامتدّ الأمر لأشهر طويلة، يقول لـ«الأخبار» أنطوان جبران. ويشرح أنّ القرارات الأساسية تتخذها وتوقعها الهيئة مجتمعة بكامل أعضائها، لا الرئيس وحده، مشيراً إلى أنّ المشكلة ليست في غياب الرئيس بل في عدم اجتماع الهيئة، أي إنّه لو صدف أن شغر منصب أحد العضوين، فسنقع على النتيجة نفسها، وقد سبق أن حدث ذلك في إحدى المرات.

هكذا، قرر المجلس مثلاً تعليق المباريات التي كان قد أعلنها لدخول ملاك التعليم الثانوي الرسمي، علماً بأن الأساتذة كانوا قد بدأوا بتقديم الطلبات فعلاً وفي معظم المواد. هنا يلفت جبران إلى أننا «نستطيع أن نستقبل طلبات، لكن لا يمكننا أن نحدّد المقبولين في المباراة أو نصدر النتائج».

ويتحدّث القاضي غالب غانم عن ثغرة في التشريع تتمثل بعدم تطبيق مبدأ عام في القانون الإداري هو «تسيير المرفق العام». يستبعد أن يكون هناك، بحسب التشريع الحالي، أي حل أو فتوى قانونية من دون تعيين وكيل أو أصيل في مجلس الوزراء. يجيب بالنفي عن سؤال ما إذا كان رئيس الجمهورية يستطيع أن يدعو إلى اجتماع استثنائي لحكومة تصريف الأعمال لتعيين الوكيل تحت عنوان «وقف الشلل في الإدارة العامة».

الرئيس السابق لمجلس شورى الدولة السابق القاضي يوسف سعد الله الخوري يرى هو أيضاً أنّ أفق الحل مسدود؛ إذ لا تنطبق على مجلس الخدمة المدنية الظروف الاستثنائية، لافتاً إلى أنّ السلطة المختلفة على تعيين زيد أو عمرو هي المسؤولة عن هذا الفراغ الذي لا يطاول المجلس فحسب، بل كل المرافق العامة المعطلة بغياب تأليف الحكومة.

وفي السياق، يقرّ المطلعون على الملف بأنّ الأمر يتخذ طابعاً سياسياً، بل طائفياً ومذهبياً، وعدم السماح لشخص من طائفة أخرى بتولي المنصب حتى ولو بالوكالة أكثر من كونه دستورياً، و«إلّا فما الذي يفسّر عدم إدراج مادة في مرسوم تعيين كل من قباني ورئيس التفتيش المركزي القاضي جورج عواد تنص على أن ينوب أحدهما عن الآخر إذا غاب أو شغر المنصب كما كان يحصل في أوقات سابقة». وفي انتظار أن تتفق الأحزاب على رئاسة المركز الشاغر الذي ينتمي إلى الفئة الأولى، يتزايد الانهيار والتدهور في مؤسسات الدولة وتتعطّل مصالح الناس.