«الثورة المضادة»... نقابياً!

نشر في‫:‬الثلثاء, نيسان 16, 2013 - 16:58
الكاتب/ة: كارول كرباج.

في حين يُختزل مشهد التحوّل الديموقراطي في المنطقة بالمعارك الانتخابية وتعددية الأحزاب وإنجاز الدستور، يجري تغييب معركة استقلالية النقابات والتعتيم على تفاصيلها وعلى انعكاساتها على السياسات الاقتصادية - الاجتماعية التي كانت في صلب مطالب الثوار. فصعود حركة نقابية مستقلة في المنطقة حرّكتها الثورات، بل كانت جزءاً منها، هو في قلب عملية التغيير. اتحادا تونس والبحرين، المعروفان بتاريخهما النضالي، واللذان ما انفكت سلطات بلادهما تحاول تدجينهما، أظهرا دوراً ريادياً في الحراك الشعبي في البلدين، ما شجع على تشكيل نقابات مستقلة في بلدان أخرى، بقوة الأمر الواقع وبتحدي القوانين القائمة.

هل أدى ذلك إلى طي صفحة قاتمة من التاريخ النقابي العربي، حيث غالبية النقابات العمالية أُنشئت بقرارات سياسية من الأنظمة، أو تمّ تطويعها وإخضاعها؟

ليس تماماً. في الواقع، حال نقابات السلطة اليوم كحال الأنظمة الحاكمة، الجديد منها والقديم. إن ارتبكت الثانية، ضعفت الأولى. وإن أعاد النظام العربي ترتيب أوراقه، رصّت اتحادات السلطة صفوفها من جديد. وإن انتقلت السلطة من «الرؤوس القديمة» إلى القوى الإسلامية الحاكمة، استبدلت ولاءاتها. دور نقابات السلطة اليوم يعكس مساعي القوى المناوئة للتغيير في المنطقة إذ أنها جزء من «أدوات عملها».

خريطة الصراع
قلبت الانتفاضات في المنطقة المشهد النقابي العربي، وفجّرت جملة تناقضات كانت موجودة ولم تطفُ على السطح. يصف مدير مشروع تعزيز قدرات النقابات في «منظمة العمل الدولية»، عبيد البريكي، خريطة الصراع التي افرزت معسكرين متناقضين: «معسكر النقابات التي تبحث عن مزيد من استقلالية القرار وحرية الموقف والتي انحازت الى مطالب الفئات الراغبة في التغيير (كاتحادي تونس والبحرين)؛ يقابله معسكر النقابات التي اختارت الاستمرار في الخط السابق، والقائم على المساهمة في دعم المسارات الحكومية والمسارات الاقتصادية التي أثبتت فشلها (كاتحاد مصر)».

الانتفاضات العربية سمحت بنشوء لاعب جديد، أُضيف الى الفرز النقابي القائم، وهو النقابات المستقلة الحديثة التأسيس والتي حاولت تنظيم اليائسين من نقابات السلطة (كالنقابات المستقلة في مصر). وامتدت إلى البلدان التي لم تشهد ثورات، لكنها تمرّ بحراك سياسي ونقابي، كالأردن.

«التقارب واضح بين النقابات المناضلة (القديمة) والنقابات المستقلة (الحديثة). وكأنه مؤشر لتكتل نقابي في المنطقة العربية يضم الجديد المستقل، والنقابات التي أثبتت قدرتها على الاستجابة لمطالب التغيير»، يؤكد البريكي.

أما النقابات الرسمية، التي فاجأتها الثورات وأربكتها، فبدت عاجزة عن التعامل مع بروز حركة نقابية مستقلة. وقد انعكس ذلك خلال اجتماع المجلس المركزي لـ«الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب» (يضمّ بأغلبيته الساحقة اتحادات سلطة)، الذي عُقد في بيروت في شباط من العام 2012، وقاطعته غالبية الأعضاء، ما أفضى إلى عدم توفر النصاب القانوني. وقد عكست المقاطعة استياءً في الأوساط العمالية والنقابية من مواقف الاتحاد المناوئة للتغيير، في خضم الاحتجاجات الشعبية، ومن أمينه العام رجب معتوق الذي أكّد في معظم تصريحاته الاعلامية أن: «العمال العرب هم أكبر ضحايا ما سُمّي بالربيع العربي»، الذي نتج عنه «فوضى واضطرابات شملت كل القطاعات وكل مناحي الحياة».

إلا أن الاتحادات المقاطعة لم تترجم موقفها الاحتجاجي بتشكيل تنظيم نقابي بديل يقطع مع الماضي ويؤسس لحركة نقابية مستقلة، ما سمح للاتحاد باستغلال الفراغ، واستعادة زمام الأمور، فقام بشنّ هجمة على الحركة النقابية العربية المستقلة من جهة، وبادر إلى رصّ صفوف الاتحادات الرسمية، من جهة أخرى.

وتوّجت مبادرة الاتحاد في اجتماع مجلسه المركزي في القاهرة في شباط الماضي، حيث حضر أربعة عشر عضواً من أصل ثمانية عشر، بالرغم من دعوات المقاطعة. وقد اعتبر اجتماع القاهرة محطة مفصلية في هجمة اتحادات الأنظمة على الحركة النقابية المستقلة.

تزامن ذلك مع محاولات الأنظمة الخليجية، عبر تحالفها مع «الإخوان المسلمين»، لاحتواء الحركات الاحتجاجية في البلدان العربية. وقد استدعى ذلك تفعيل الذراع النقابية للأنظمة العربية من خلال تمويل «الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب» وأعضائه. علماً أن الاتحاد كان قد اشتكى مراراً من عدم تسديد أعضائه لاشتراكاتهم السنوية ووقف دعمه مادياً من قبل معظم المنظمات الدولية، ما أغرقه بإزمة مالية. إلا أن الفترة التي سبقت التحضير لاجتماع القاهرة، برز دور «منظمة العمل العربية» (التابعة لمنظمات الجامعة العربية) بشخص مديرها العام أحمد لقمان، الذي شارك في معظم اجتماعات الاتحاد. ما يشير إلى دوره الرئيسي في توفير التمويل اللازم للاتحاد لإعادة رص صفوفه، وفق مصادر نقابية مستقلة.

السفريات المكوكية التي قام بها الأمين العام للاتحاد مؤخراً، وبرقيات المعايدة للرؤساء، وغياب المواقف الداعمة للعمال والمنددة بالممارسات التي تطالهم، والدعم المعلن للاتحاد من الأنظمة... كلّها مؤشرات تطرح علامات استفهام حول دور الأنظمة الخليجية في تمويله. وقد عكست مقررات اجتماع القاهرة محاولة الاتحاد تهميش النقابات المناضلة وإقصاءها، وتعويم نقابات السلطة، وتحديداً في كل من مصر، تونس والبحرين.

تطويق الحركة النقابية المناضلة والمستقلة
منذ انطلاق الربيع العربي، شهدت المنطقة حراكاً متصاعداً قادته النقابات والاتحادات المستقلة في الأردن، لبنان، الجزائر، المغرب، مصر، موريتانيا وغيرها من البلدان، ولو بشكل متفاوت. وفاق عدد الاتحادات المستقلة في المنطقة الأربعة عشر اتحاداً. ففضح المشهد المستقل تواطؤ نقابات الأنظمة، ومثّل تهديداً لوجودها، ما دفعها إلى استجماع قواها لضرب الحركة النقابية المستقلة، لا من خلال قمعها ومحاولة تقسيمها وتشويه صورتها فحسب، بل من خلال تدجينها وتطويعها. وحين لم تفلح المحاولات في ذلك، أنشئت نقابات لإرباكها، كما حصل في البحرين وتونس.

في تونس، استُهدف «الاتحاد العام التونسي للشغل» بشكل مباشر، نتيجة دوره الطليعي خلال الثورة التونسية والحراك السياسي المستمر، فتعرّض مقره لهجوم في 4 كانون الأول الماضي، من قبل ما سُمي بـ«روابط حماية الثورة» (التابعة لحركة «النهضة»)، وفق تقرير لجنة التحقيق.

ويؤكد عضو المكتب التنفيذي لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» مولدي الجندوبي أنه بتحالف بين فلول نظام بن علي وحزب النهضة الحاكم، تأسس «اتحاد عمال تونس»، وأمينه العام إسماعيل السحباني (المقرب من الرئيس المخلوع ومدان باختلاس أموال الاتحاد في تونس)، في محاولة لاحتواء الاتحاد العام التونسي للشغل».

بدورها، شنّت السلطات البحرينية هجوماً شرساً على «الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين» لمعاقبته على ارتباطه العضوي بالحراك السياسي.

ويؤكد الأمين العام للاتحاد السيد سلمان المحفوظ أن «السلطات البحرينية جنّدت نفسها للانقضاض على الاتحاد المعروف بتاريخه النضالي وانحيازه لمصالح العمال». الانتهاكات شملت مداهمة مكاتبه وإغلاق عدد منها، اعتقال عدد من القيادات النقابية، فصل أكثر من 4000 نقابي على خلفية مشاركتهم في احتجاجات 2011 (تمت إعادة جزء منهم نتيجة شكوى رفعها الاتحاد الى «منظمة العمل الدولية» ضد الحكومة) وبسبب نشاطهم النقابي وعزل آخرين عن مواقع عملهم.
يعتبر المحفوظ أن إخفاق السلطات في قمع الاتحاد دفعها إلى إنشاء «الاتحاد الحر». وحول هذه النقطة، يشير المحفوظ أن «للتعددية مفهومها، لا تشمل النقابات التي تنشئها الحكومات لعرقلة النقابات المناضلة». ويضيف النقابي البحريني إن «أصحاب العمل، بتواطؤ مع الحكومة، يجبرون العمال على الانسحاب من نقابات الاتحاد والانضمام الى الاتحاد الحرّ، تحت التهديد بالصرف وبالحرمان من بعض حقوقهم كالعلاوات والمكافآت». واللافت للانتباه أن منذ تأسيسه يقود «الاتحاد الحرّ»، بالتنسيق مع الحكومة، حملات اعلامية واسعة للتحريض ضد الاتحاد العام.

وفي خطوة تدّل على ارتباط الصراع النقابي على المستويين الوطني والإقليمي، قُبلت عضوية كل من «الاتحاد الحرّ في البحرين» و«اتحاد عمال تونس» في «الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب» خلال اجتماع القاهرة الأخير. ما يعني بفعل الأمر الواقع إلغاءً لعضويتي «الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين» و«الاتحاد العام التونسي للشغل»، نظراً لأن الاتحاد الدولي لا يقبل بالتعددية النقابية في نظامه الداخلي.

ويعلّق الجندوبي على القرار ساخراً: «ولم لا؟ فالطيور على أمثالها تقع». فيما يفسّر المحفوظ الخطوة برغبة «الاتحاد الدولي» باحتكار المشهد النقابي العربي إقليمياً ودولياً، وإقصاء الاتحادات المناضلة والمستقلة، وتهميشها خلال المنتديات الإقليمية والدولية والمفاوضات الثلاثية الأطراف.

في مصر، المشهد قد يبدو مختلفاً بتفاصيله، لكنه يصبّ في المعركة نفسها. خلافاً لدور اتحادي تونس والبحرين، غاب «الاتحاد العام لنقابات مصر» عن مجريات الثورة، بل كان جزءاً من أدوات التصدي للحراك السياسي والنقابي - العمالي. إلا أن النقابات المستقلة التي نشأت تحت حكم مبارك لعبت دوراً مهماً خلال الثورة.

بعد تنحّي مبارك، اتسعت رقعة الاحتجاجات العمالية والإضرابات في مصر، وترافق ذلك مع تصاعد الحركة النقابية المستقلة. فخلال السنتين الماضيتين، تأسّس أكثر من ألف نقابة «مستقلة» واتحادين مستقلين، وهما «الاتحاد المصري للنقابات المستقلة» و«مؤتمر عمال مصر».

ولمواجهة استقلالية الحركة النقابية، «يتعرّض العمال والنقابيون لانتهاكات وممارسات لم تحصل لا في عهد السادات ولا مبارك ولا المجلس العسكري»، وفق رئيس «الاتحاد المصري للنقابات المستقلة» كمال ابو عيطة. وقد شملت الانتهاكات العمالية والنقابية: عدم الاعتراف القانوني بالنقابات «المستقلة»، فصل النقابيين واعتقالهم، والتعدي عليهم جسدياً، وفض الإضرابات والاعتصامات بالقوة. وعلى الرغم من ذلك، لا يستغرب ابو عيطة الممارسات تلك، مشيراً إلى أن «الاتحاد العام القديم، الذي سيطر عليه «الإخوان» بعد وصولهم إلى السلطة، متحالفاً مع أجهزة الأمن وفلول النظام السابق وأصحاب العمل، يصارع على وجوده».

وتجدر الإشارة إلى أنه في اجتماع المجلس المركزي لـ«الاتحاد الدولي لنقابات عمال العرب» انتُخب رئيس «الاتحاد العام لنقابات عمال مصر» جبالي المراغي نائب رئيس للمجلس المركزي للاتحاد، في خطوة تهدف إلى تعويم نقابات السلطة وتكريس هياكلها الخالية من أي مضمون نقابي ونضالي.

في هذا الإطار، وصف المحفوظ «الاتحاد الدولي» بـ«الاتحاد الكرتوني، أي اتحاد بلا نقابيين». بينما أطلق عليه أبو عيطة، بخفته المصرية، اسم «الاتحاد الدولي للمخبرين العرب» لأنه «اتحاد يجمّع فلول الاتحادات القديمة المناوئة للتغيير، بدعم من الدول الخليجية، من أجل الالتفاف على الثورات العربية».

عملية الفرز التي أنتجتها الثورات العربية بين القوى المطالبة بالتغيير، وتلك الرافضة لها، مستمرة طالما معركة التحوّل الديموقراطي لم تنجز بعد. مَن سيحسم المعركة؟ هل اتحادات السلطة تملك مقومات البقاء في ظل الحراك الشعبي المستمر؟ الجواب مرتبط بمدى قدرة النقابات والاتحادات المستقلة على تشكيل قوة تنظيمية بديلة. وبالفعل، يجري نقاش جدي اليوم في الأوساط النقابية المستقلة لتأسيس اتحاد عربي بديل عن «الاتحاد الدولي لنقابات عمال العرب»، يرصّ الصفوف النقابية المستقلة، يوحّد المواقف، ويشكل رافعةً للحراك الشعبي المستمر. يفرض واقعاً جديداً في المنطقة، يكرّس دور العمال في عملية التغيير، ويقطع الطريق أمام الثورة المضادة سياسياً واقتصادياً... وإعلامياً.

هل الثورة المضادة أصبحت واقعاً لدرجة تبني مقولة «الخريف العربي» أو «الخريف النقابي»؟ يجيب البريكي مشبهاً واقع النقابات بعد الثورات بـ«طائرة أقلعت بركابها الثوار والعمال والنقابيين. يعرفون جيداً محطة الوصول. الأهداف محددة. لكننا نمرّ الآن باضطرابات جوية. لنتحمّل ونتشجّع، الطائرة ستحطّ الرحال، وفي الموقع المحدّد»، يختم مبتسماً.

أبرز النقابات المستقلة
الأردن: «اتحاد النقابات المستقلة في الأردن».
البحرين: «الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين».
تونس: «الاتحاد العام التونسي للشغل».
الجزائر: «النقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي الإدارة العمومية».
فلسطين: «الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين».
الكويت: «الاتحاد الوطني لعمال وموظفي الكويت».
لبنان: «الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان».
ليبيا: «الاتحاد العام لعمال ليبيا».
مصر: «الاتحاد المصري للنقابات المستقلة» و«مؤتمر عمال مصر الديموقراطي».
المغرب: «الكونفدرالية الديموقراطية للشغل» و«الاتحاد العام للشغالين بالمغرب».
موريتانيا: «الكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا» و«الكونفدرالية الحرة لعمال موريتانيا» و«الكونفدرالية الوطنية للشغيلة الموريتانية» .