أطردوا الأنظمة من المنتدى الاجتماعي العالمي

نشر في‫:‬الثلثاء, نيسان 2, 2013 - 17:38
صورة من مسيرة ضمن فعاليات المنتدى الاجتماعي العالمي- تونس|بعدسة بن بدارد
الكاتب/ة: هندة هندود.

لم يمض على أول منتدى اجتماعي عالمي، في العالم العربي، وفي تونس، سوى أيام معدودة، ولم ينته الحديث بعد عنه، خاصة عن سلبياته وإيجابياته. اختار المنتدى، هذه السنة، أن يحتفي بالثورات العربية وعلى رأسها الثورة التونسية، مهد الربيع العربي. ولكنه تميز كذلك بتكاثف الإشكالات حيال الثورات بين معارض ومساند لها. وقد وصلت بعض المشادات بين المشاركين في المنتدى حد العنف اللفظي والجسدي كما كان الحال بين مساندي بشار الأسد من القوميين التونسيين ومساندي الثورة السورية.

من الغريب أن تحضر صور ولافتات لرموز ديكتاتورية وفاشية وداعمة لها كتلك التي علقت تحت اسم "المقاومة العالمية" لبشار الأسد، جمال عبد الناصر، أحمدي نجاد، صدام حسين وحسن نصر الله إلى جانب صور لرموز إنسانية كإرنستو جيفارا أو غاندي أو فرحات حشاد أو عمر المختار. كان المشهد مريعا للكثيرين ومستفزا للبعض الآخر الذي خبر هذه الوجوه وامتحنته الأيام بالعيش تحت حكمهم والنضال من أجل أن يرحلوا. ولكن الخيمة التي تدعي التسامح تحت شعار "أنا متسامح إذا أنا ضد الصهيونية" لم تجد حرجا في خلط المفاهيم بين القضية الفلسطينية ومساندة الفاشية ولم تجد ما تقوله غير التذكير بجرائم الكيان الصهيوني لاستجداء تعاطف المشاركين وإقناعهم بأن مساندة الديكتاتورية القومية هو الحل.

وفي حين سكت البعض عن شعارات مرفوعة للتهليل للنظام الإيراني والاحتفاء بالنظام السوري تحت غطاء نصرة القضية الفلسطينية، فإن البعض الآخر وخاصة السوريين لم يسكتوا وعبروا عن خيبة أملهم ورفضهم لهذا الحضور المكثف للقوميين المساندين لديكتاتوريات عربية ضاربين بعرض الحائط تضحيات الشعوب من أجل التحرر. ويعود هذا الحضور المكثف إلى إقتناع جزء هام من اليسار التونسي، المنظم لهذه الدورة من المنتدى، بأن الثورة السورية ليست إلا مؤامرة على نظام بشار الأسد وكأنهم لم يعيشوا ثورة في بلادهم. ولهم فيما يبثه النظام البعثي السوري من صور ومعلومات مفبركة أمثلة عديدة، حتى أنهم لم يحاولوا، ولو للحظة، التثبت منها أو مقارعتها بحجج أخرى من مصدر آخر.

ولم يكتف القوميون بالتهليل لفكرهم الفاشي ولكنهم أيضا اعتمدوا العنف والإقصاء لفرض رأيهم خلال المنتدى الاجتماعي العالمي. حيث هاجموا ناشطي الحملة العالمية لدعم الثورة السورية في العديد من المناسبات وحرقوا أعلامهم وضربوهم نساءً ورجالا. ولم يسلم منهم حتى المفكر الماركسي الفلسطيني - السوري سلامة كيلة الذي دعاه المنتدى للمشاركة في فعاليات التظاهرة. ونعته البعض بالخائن بالرغم من اعتراف الجميع بمصداقيته ونضاله من أجل سوريا. وقد عقب سلامة كيلة على هذه الأحداث قائلا: "من الواضح وجود شباب معبأ بالعنف ضد الثورة السورية ومحملين بالمفاهيم الخاطئة، واستخدام العنف هو دليل على غياب المحاكمة الأخلاقية لديهم. فليس من المعقول إنكار تضحيات شعب كامل وعزوها إلى الإمبريالية العالمية!"

وتجدر الإشارة هنا إلى أن تعصب القسم الأكبر لليسار التونسي في نصرة بشار الأسد يأتي في إطار صراع إيديولوجي سياسي بينها وبين الحركة الإسلامية المنفردة تقريبا بالحكم، حركة النهضة، التي لا تخفي تضامنها مع الثورة السورية، أو لنقل الشق الإسلامي للثورة. وبينما تبعث النهضة عبر أجنحتها السلفية بالشباب التونسي للقتال في صفوف جبهة النصرة في سوريا، لم يجد اليسار التونسي من حل سوى اللجوء إلى إنكار وجود ثورة في سوريا ومساندة الديكتاتورية العلمانية خوفا من ديكتاتورية إسلامية جديدة. وقد تناسوا طبعا تحالفهم القديم مع الإسلاميين في النضال ضد بن علي، وقد تناسوا أيضا معرفتهم التامة، كما هو الحال في سوريا الآن، أن المواجهة القادمة ستكون مع محاولات قسم من الحركات الإسلامية، والمدعومة من دول الخليج الرجعية، وفي نفس الوقت يشهد الحراك الثوري تململا واسعا من الحركات المذكورة، يصل بعضها إلى مواجهات يأخذ قسم منها طابعا مسلحا. ويبقى التناسي الأمر هو عدد الضحايا وعمق مأساة الشعب السوري الذي لم يستسلم ولم يرض بالحل الإسلامي أو بالرضوخ لبشار الأسد.

ومن المستغرب، أن تبقى هيئة التنظيم صامتة أمام هذا التجاوز الفاضح لمبادئ المنتدى الذي يدعم ظاهريا تحرر الشعوب وانعتاقها من الإمبريالية بكل أصنافها. ومن الغريب كذلك، أنها لم تتجاوب مع الشعوب العربية الأخرى التي تعيش محاولات ثورة. كالبحرين التي شارك منها عدد ضئيل من النشطاء ولم تتسن لهم الفرصة للحديث عن ثورتهم. فلجأوا إلى سرقة بعض الدقائق من ورشات أخرى للترويج لثورتهم والتذكير بما يقوم به النظام البحريني من قمع للتظاهرات وقتل للشعب.

كذلك ظهرت على وجوه العديد من العراقيين المشاركين ملامح الغبن والاشمئزاز لرؤية صورة الرئيس السابق العراقي صدام حسين معلقة تحت شعار "شهيد الأمة" أو "القائد الفقيد". وبالرغم من سكوتهم عن هذه الممارسات، إلا أنهم عبروا عن استيائهم لغياب النقاش حول الحالة المفزعة التي يعيشها العراق اليوم وانحصار مشاركتهم في ورشات حول الاقتصاد والتنمية المستدامة.

وانتهى المنتدى الاجتماعي العالمي بمسيرة غريبة جمعت بين أعلام التحرر من كل أشكال التمييز والقمع وبين أعلام السلفية الوهابية. وجمعت كذلك مساندين للثورات في العالم وبين مناصرين للدكتاتورية. كل هذا تحت غطاء القبول بالآخر وإفساح المجال لجميع وجهات النظر، فمتى سنتعلم الدرس في التفريق بين حرية التعبير والترهيب؟ إلى متى سنخلط بين وجهة النظر والتعنيف؟