خطابنا نبنيه بين الناس ومن داخل الثورة

نشر في‫:‬الثلثاء, اذار 12, 2013 - 16:44
من مسيرة حياة النساء أهم من كراسيكم|بعدسة حسام مشيمش|المفكرة القانونية
الكاتب/ة: هبة عباني، وليد ضو.

في ما يلي حوار مع ناشطة نسوية في لبنان من أسرة صوت النسوة، حول دور المرأة والثورة في المنطقة بمناسبة يوم المرأة العالمي.

وليد ضو: موضوع الجنسانية لماذا يغيب عن الحراك الاجتماعي في العالم العربي وخاصة في لبنان؟
هبة عباني:
لا أعتقد أن هذا الموضوع غائب، ولكن لم يعد التفكير فيه يتعلق بمن يعرّف نفسه بمثلي أو مثلية. فالعديد من الناشطين يعتبرون أن هذا الأمر يشكل هوية لهم، هويتي كامرأة يؤثر على علاقتي أكثر من أي هوية أخرى.
ثمة غياب نعم، ولكن العمل بين الناشطين والناشطات يتم فرضه في النقاش، فعلى سبيل المثال، تم رسم غرافيتي في مصر تظهر رجال الشرطة كـ"لوطيين" تم الرد على ذلك من قبل الناشطين المصريين واعتبروه يعبّر عن رهاب المثلية.
خارج المنظومة الذكورية ثمة احترام نسبي للميول الجنسية المختلفة خاصة بما يتعلق بطريقة اللبس والعلاقات، ومن أنشط معهم ومعهن لم تعد الجنسانية بالنسبة لهم ولهن محصورة بين طرفين.

في المظاهرات المنظمة أخيرا في لبنان، ينتشر خطاب تحرري. فتُرْفَع لافتات مثل: "شرفي ليس بين قدمي" أو "أنا حرة بتصرفاتي...". هذا الخطاب بات مألوفا، ولم يعد بالتالي غائبا بقدر ما هو مندمج ضمن الحراك الأوسع.

العمل على قضايا المرأة يمكن تلمسه ضمن هذه التحركات، هذا النظام بدأ يتفكك من خلال اندماج وترابط القضايا.
أما بالنسبة إلى غياب حركة مباشرة على موضوع الجنسانية، فلأنه لا يعبر عن هوية واحدة كبقية الهويات. والنشاطية في هذا الإطار تحولت من خطاب موجه إلى الناس في محاولة لتغيير مفاهيمهم إلى قاعدة مشتركة وتشبيكية بين مختلف القضايا.

أما التعاطي مع الجنسانية، باعتبارها تقديم خدمة، والتخلي عن بناء حركة ضمن هذا الإطار بحيث تفرض خطابها ضمن الحراك الأوسع، هو أمر غير مفيد على الإطلاق.

في المقابل، حصلت اعتداءات كلامية خلال حملة إسقاط النظام الطائفي عام ٢٠١١، ولكن بعد ذلك، وفي النشاطات والتحركات اللاحقة، يتم التعبير عن هذا الموضوع من خلال التشبيك مع مواضيع مختلفة كالعلمانية ومناهضة الفساد، ويتم عبر ذلك خلق أرضية مشتركة.

الحراك الجاري ساهم في زعزعة أركان النظام، فهو لا يتعلق حصرا بهوية واحدة إنما تترابط فيه هويات ومصالح مختلفة. بالنسبة لي، فأنا أنتمي إلى الطبقة العاملة، درست في الجامعة اللبنانية، وعملت باكرا، وكلما كبرت يزداد عملي وتزداد احتياجاتي في الوقت نفسه، ولكنني أريد الخروج من الأنماط المفروضة والتي جعلت أيضا من أهلي ضحية، من هنا أشعر بالمسؤولية تجاههم، من هنا النشاطوية التي لا تتوجه إلى الناس، يمكن للأخيرين أن يجدوا لهم مصلحة فيها لأنها تأخذ مساحة على حساب غيرها، فتصبح هي النشاط.

لأن أي قضية عادلة التي أقف معها هي المحرك ضمن البيئات المختلفة، فتكون مصلحتي المشاركة معها بغض النظر عن احتلال صوري للمشهد الإعلامي، وأرى حاجة لكي أكون جزءا من المجتمع، وأما إذا تحركت لوحدي فإنني حكما سأشعر بالعزلة. داخل كل وعي سياسي هناك عدة هويات ومصالح مشتركة وهي بالتالي غير محدودة، فكل القضايا مترابطة مع بعضها، أما الحراك المحصور في قضية معينة سيكون لاحقا محصورا بمجموعة واحدة من الأشخاص التي لا تستقطب وتتعامل مع المجتمع بفوقية.

أما في أوروبا، فإن بعض الحركات أخذت أشكالا سياسية، خاصة في صراعها مع الرأسمالية ومناهضة العنصرية والفاشية والتمييز الجنسي، لأنها لو لم تفعل ذلك لن تتمكن من تحقيق شيء. إذاً المطلوب وجود طرح سياسي، وهذا الشيء غير موجود إلى اليوم، إنما مشتت إلى حد ما.

من هنا، إن لم أشبك مع عدّة أطراف سيكون تعرضي للقمع أكثر سهولة من جانب السلطة، وذلك يتم من خلال عملية تأثير متبادلة بيني وبينهم من خلال بناء متراكم لخطاب مناهض للرأسمالية وللنظام الحاكم.

هناك أمور لا تتحقق بسهولة، ولكن التعبير العلني عن رهاب المثلية أو عن التمييز الجنسي لم يعد يتجرأ "المؤمن" به على قوله أو فعله باستثناء التأثير السلبي لبعض الأشخاص والمجموعات التي لم تخرج بعد من عنصريتها ورهابها.

لا شك بأن أمامنا وقت طويل للتخلص من ترسبات المجتمع الرأسمالي- البطريركي، ولكن نحن في خضم مسار وسيرورة ثورية، ينبغي علينا خوضها والمشاركة فيها وعدم الوقوف على الحياد أو اتخاذ موقف ضدها.

المنظمات البديلة هل هي مكان آمن للتغيير؟
هذه المنظمات هي آمنة للبعض، أما للبعض الآخر فليست كذلك، لأن بعض المنظمات المشهورة تغرق بشهرتها، ويتحول هذا المكان إلى إطار ينبغي الحفاظ على صورته بغض النظر عما يحصل أو ما هو حكم الناس عليه.

والمشكلة أنهم يسمون أنفسهم منظمات بديلة، ولكن المنظمات التقليدية لديها بنية وهيكلية واضحة، وهذا الأمر هو أفضل من عدم وجود بنية، فبوجود الهيئة الإدارية والجمعية العامة يمكن الاعتراض والاختلاف في وجهات النظر، أما بغياب هذه البنية والهيكلية فيستولي مجموعة من الأشخاص على المجموعة باعتبار "تمتعهم" بامتيازات طبقية، بالإضافة إلى تفرغهم للعمل. من هنا الأفكار لا تتساوى داخل هذه المجموعات خاصة أمام أفكار أصحاب الامتيازات، وتتحول المجموعة إلى مجموعة أصغر وهي فعليا من تملك سلطة القرار. من هنا، هذا الشكل ليس ديمقراطيا، تنظيميا، مع أعضائه، ولا ينسجم مع أفكاره التي يدّعي الدفاع عنها.

هذه القوة تكون عادة غير مرئية، ولكنها موجودة ولها تأثير كبير، وهي بالتالي تستعمل أدوات النظام للإقصاء، لذا إذا لم تستطع فرض وخلق أدوات تنظيمية جديدة للتعاطي لا يمكن لها أن تخرج من الدوامة التي غرقت فيها. فما تقوم به المنظمات البديلة هو تكوين صورة لها، أكثر من خلق مجتمع بديل.

فالجمعيات الممأسسة لا تدّعي أنها أفضل من غيرها، أو أنها تمثل الجماهير تمثيلا حصريا، فهذه الجمعيات تعمل من أجل تحقيق هدف معين، وهي لا تدّعي أنها حركة جماهيرية. في المقابل، المرأة العاملة لن يسمع رأيها في المنظمات غير الممأسسة، بفعل الامتيازات الموجودة والإقصاء الممارس داخلها.

لذا، على هذه الجمعيات أن تقيّم عملها بشكل موضوعي، لكي تستطيع الانطلاق من جديد وبشكل صادق تجاه من تخاطبهم وتخاطبهن. وعليها الانتباه على امتيازاتها وأن لا تستعملها على حساب أي شخص آخر، فالعلاقات داخلها ينبغي أن تكون ندية، فإذا كانت ضد الرأسمالية والذكورية، عليها أن تنتبه ألا تتبنى آليات هذا النظام الإقصائية والتهميشية.

التعددية داخل المنظمات النسوية هل هي عامل إيجابي، وهل ثمة اختلاف بينها وبين الجمعيات في الإطار النسوي والنسائي؟
لا وجود لتعددية داخل المنظمات النسوية، فالأغلبية هن من فئة واحدة، ولأن الموقف السياسي يتم فرضه ويتم تبنيه. وفي الظاهر تبدو وكأنها مرحبة بك، أما في الداخل فتشعر بأنك دخيل، من هنا تبدأ التفتيش من جديد عن مكان آخر للتعبير عن رأيك، ولكنك حتى هناك لن تلقى دعما من المنظمات التي تركتها إنما تستمر المواجهة.

المنظمات والجمعيات ينسقون جهودهم وثمة تنوّع في المواضيع التي يعملون عليها وهي التالية: الكوتا النسائية، والاغتصاب، والأحوال الشخصية، ومناهضة العنف الأسري، والحق بالجنسية. الجمعيات تستعمل الإعلام الرسمي، أما المنظمات فتستعمل الإعلام غير الرسمي ولكن من خلال الاعتماد على خطاب حاد اللهجة، ولكن المضمون هو نفسه.

المقاربة هي نفسها، تقريباً، وهي مقاربة حقوقية. من هنا، هناك حاجة للإصلاح، لأن الناس لن تنتظر وصول الثورة حتى تنال حقوقها، بالإضافة إلى أن حاجاتهم المباشرة تستدعي الدعم، وينبغي دعم المواضيع عبر بناء مفاهيم غير ذكورية.

الفرق بين الجمعيات والمنظمات ليس كبيرا، ولكنه يكمن ببعض الأدوات، ولكن الخطاب نفسه، والاستراتيجيا هي نفسها.

لذلك، ينبغي تبني خطاب نسوي نقدي، ويشمل كل المواضيع، وعلى الخطاب الثوري الارتكاز على مثال ثوري وتجربة ثورية، بحيث نعيش ثورتنا بكل لحظاتها ونبني خطابنا من خلال توجهنا إلى كل الناس ونراكمه عبرهم.