المرأة والثورة في الأردن: العاصفة تهدأ، لكنها لا تتوقف

نشر في‫:‬الجمعة, اذار 8, 2013 - 11:25
أنا أنا|دولتي
الكاتب/ة: سوزان عفيفي، وليد ضو.

في ما يلي حوار شامل مع ناشطة نسوية في الأردن، حول دور المرأة والثورة في المنطقة بمناسبة يوم المرأة العالمي.

وليد ضو: شهد الأردن خلال الأشهر الماضية تحركات جماهيرية ما لبثت أن خفتت، ما هي أسباب هذا الحراك، ولماذا توقف وهل تعتبرين أن الخجل في رفع مطلب إسقاط الملكية، قد ساهم في فتور هذا الحراك والسماح بالتالي للحركات الانتهازية بالالتفاف عليه؟
سوزان عفيفي:
بدأ الحراك السياسي في الأردن كحراك مطلبي في بداية العام 2011، كان سببه تردي الوضع المعيشي للمواطن في الأردن، وكما هو حال أي حراك عربي آخر، طالب بالعدالة الاجتماعية وحفظ الكرامة، ثم انتقل إلى شعارات سياسية واجتماعية لا تنفصل عن تلك المطالب.

لا أعتقد بأن الحراك في الأردن قد توقف إنما هو يعيش حالة هدوء قد يسبق العاصفة، إن ظلت السياسات العامة والحكومية تسير بنفس الطريقة القديمة التي تستغفل المواطن وتسحق من إمكانياته أكثر فأكثر، أما في ما يتعلق برفع شعار إسقاط النظام، فقد حدث ذلك فعلاً، في تشرين الثاني الماضي، وكما يسميها البعض بـ"هبة تشرين"، وجرت مجابهة تلك الهبة من قبل الأجهزة الأمنية بشكل شرس وحدثت الاعتقالات التي طالت النساء أيضاً.

أعتقد بأن الفتور في الحراك سببه رؤية ومتابعة المواطن الأردني لما يحدث تحديداً في سوريا، ومشاهدته للدمار والبطش الحاصل بحق الشعب السوري على يد النظام السياسي هناك وأجهزته الأمنية، لقد كان المواطن الأردني في مرحلة من المراحل يعتقد بأن الأمور قد تسير بشكل سهل ويسير، لكن ما يحدث في سوريا جعله يقف ويعدّ للمليون قبل أن يرفع شعار إسقاط النظام بعد ذلك.

السبب الجوهري أيضاً في فتور الحراك السياسي، العشائرية والتي لها سبب كبير أيضاً في الإضعاف من همة الذين يسعون للتغيير، بالإضافة إلى قدرة الأجهزة الأمنية الهائلة في اختراق الحراكات وإضعافها، عبر بث الشائعات التي تهدد المواطن الأردني وتحديداً من هو من أصل فلسطيني، في أن يفقد جنسيته، وهنا نتحدث عن نصف الشعب الأردني المهددين بذلك إن شاركوا في الحراك السياسي، وما يثبت ذلك، هو ضعف المشاركين في الحراك منذ بدايته لدى الأردنيين من أصول فلسطينية.

كيف تقيمين دور المرأة الأردنية في هذا الحراك، وهل أفسح الحراك الشعبي أمام إبراز المطالب المتعلقة بحقوق المرأة؟
لقد قمت بإعداد دراسة (غير منشورة) حول حضور المرأة الأردنية في الحراك السياسي وهي عبارة عن دراسة نوعية اعتمدت على مقابلة نساء شاركن بالحراك ونساء لم يشاركن، وتوصلت الدراسة إلى أن المرأة تعرضت لعدة معوقات منعتها من الحضور بفاعلية في الحراك السياسي، تتمثل بوجود سلطة أبوية تمارس عليها من قبل الجانب الرسمي والأسري والمجتمعي، واعتبار القضايا العامة كمكافحة الفساد وقانون الانتخاب والأحزاب وتعديل الدستور أولوية أولى في هذا الحراك، والنظر إلى أن حل مشكلات المرأة مرهونة بحل تلك القضايا.

المرأة الأردنية ترغب في تكثيف حضورها السياسي والاجتماعي، وتطمح إلى تحقيق العدالة في القوانين والممارسات، دون أن تخفي أمنياتها بأن يكون الرجل بجانبها، مؤمناً بحقوقها ومطالباً بها، يرافقه دعم من مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، لكسر الصورة النمطية التي رافقت مسيرة المرأة الأردنية ولأوقات طويلة.

فلو أتيح للمرأة الأردنية الإمكانيات الحقيقية، ستكون عنصراً فاعلاً ومؤثراً في عملية التغيير والتطور، لكن الإرث المجتمعي والتاريخي، ما زال ينظر للمرأة وكأنها خلقت للقيام بأدوار تقليدية، تنحصر في رعاية الزوج والبيت والأبناء، بالمقابل، هي نفسها لا تدرك حقوقها القانونية والسياسية والاقتصادية التي قد تضمَن لها قدراً من العدالة والمساواة فيما لو سعت للمطالبة فيها.
ومن أهم أسباب غياب وتغييب المرأة عن الحراك بشكل مختصر، كانت:
1. القبضة الامنية.
2. دور المؤسسة الرسمية في المساهمة في تهميش دور المرأة السياسي من خلال القوانين التي تفتقر إلى مبدأ العدالة والمساواة ومن خلال الممارسات التي تستبعد وجودها في مراكز صنع القرار.

3. معوقات شخصية تتمثل في وجودها كأسيرة لفكرة مفادها بأن المرأة وتحديداً عندما تكون أماً او زوجة، فإنها تواجه تحدياً يعيق من تحركها السياسي، ومقدرتها على المشاركة تنظيمياً او على الأرض.

4. معوقات مجتمعية: الأهل كثيراً لا يتقبلون فكرة الانخراط في هذا المجال، لأن المجتمع يفرض عليهم ذلك على حد وصفها، فهو ينظر للمرأة التي تقوم بالمشاركة وكأنها منفلتة.

5. ضعف الثقافة القانونية والمعرفية المتعلقة بحقوقهن: يتعلق هذا المعوِّق بأسباب تعود إلى المرأة نفسها، التي لا تمتلك معرفة واضحة ودقيقة عن القوانين التي تميز ضدها كالتمييز الحاصل في قانون العمل أو الضمان الاجتماعي أو قانون الأحوال الشخصية، إنما اقتصرت خبرتهن في الجوانب الحقوقية على قانون الجنسية، وذلك مرده أن هذا القانون يتم تناوله دائماً في ساحات السياسة الأردنية.

الحراك السياسي لم تبرز فيه مطالبات تتعلق بقضايا المراة وحقوقها، المطالب كانت عامة تتعلق بمكافحة الفساد وقانون انتخاب عادل وتحسين الوضع الاقتصادي للمواطن، وما إلى ذلك، لكن الاعتصامات المتعلقة بقضايا المرأة اقتصرت على حملة أمي أردنية وجنسيتها حق لي، وبمشاركات متواضعة من قبل الرجال والنساء أيضاً.

لا يزال معدل المشاركة الاقتصادية للمرأة في سوق العمل منخفضا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مشاركتها في المجلس النيابي والمجالس المحلية، وفي الوظائف الأساسية والأمر نفسه بالنسبة إلى النقابات، في الوقت عينه، يشهد الأردن حراكا حقوقيا تقوده جمعيات نسائية ونسوية، لماذا لم يتحقق أي تقدّم في هذا المضمار، وما هي أوجه قصور هذا الحراك؟
الحراك الحقوقي الأردني يعاني من أوجه قصور عديدة، أعتقد بأن سببها هو ضعف التشبيك بين الجمعيات النسائية، والاهتمام بعقد مؤتمرات وندوات أعتقد انها لا تجدي وحدها نفعاً في مطالب كهذه. فللأسف لاحظت بأن إحدى ممثلات اتحاد المرأة الأردني، على سبيل المثال لم تعط أهمية لحراك "أمي أردنية وجنسيتها حق لي"، باعتبار أن هذه الحملة قد تؤدي إلى اتهام من يشارك|تشارك بها بأنهم|ن يدعمون|يدعمن فكرة الوطن البديل، والتوطين.

مشكلة نسوياتنا بأنهن محكومات بأساليب عمل قديمة، يغلّبن ما هو سياسي على ما هو حقوقي، كما هو الحال لدى الكثير من الناشطين|الناشطات، الإيمان ليس مطلقاً بهذه الحقوق، مشاركات الجمعيات النسائية تركز في معظمها على كتابة التقارير وعقد المؤتمرات المحلية والدولية.

الكثير من الرجال والنساء من وجهة نظري لا يعتنون كثيراً بدعم المرأة وحقوقها على كل الأصعدة، وخاصة على أرض الواقع، فالمؤسسات تعتمد على مشاريع ممولة من منظمات أوروبية لا تحقق أهدافها في تنمية دور المرأة السياسي والاقتصادي وتفعيل حقوقها إلا من خلال تقارير ليست سوى حبر على ورق. الكثير من النساء لم يدركن في الأردن بعد بأنهن فئة مهمشة تحتاج إلى تغيير جذري وعلاقات جديدة تدعّم من خلال مؤسسات المجتمع المدني، والأسرة والمجتمع ومن النساء أنفسهن، المرأة الناشطة تواجه كثيرا من الانتقادات المجتمعية لها، ومعوقات أسرها كثيراً ما تحد من فاعليتها على أرض الواقع، عدا تحكّم الفكر الديني في تحركاتهن ومطالب البعض في تفعيل حقوقهن المنتهكة. فمثلاً، في إحدى المرات نظمت نساء حزب جبهة العمل الإسلامي سلسلة بشرية مناهضة للحكومة إن رفعت التحفظات عن بعض المواد في اتفاقية سيداو على اعتبار ان هذه الاتفاقية تؤسس لفكر "انحلالي" يؤثر على الأسر والمجتمع في الأردن كما يقلن. فالفكر "الإسلامي" ما زال يناهض تحرر المرأة وحصولها على حقوقها باستخدام أساليب دينية تقنع النساء ببقائهن أسيرات للقبضة الأبوية على اعتبار من تخالف ذلك تعتبر وكأنها خارجة عن "ملة الإسلام".

لجأ (ويلجأ) إلى الأردن الآلاف من السوريين والسوريات الهاربين والهاربات من حرب النظام السوري عليهم/ن، وقد أشارت تقارير إعلامية وحقوقية إلى تعرض الفتيات السوريات لاستغلال وضعهنّ الهش وبالتالي تزويجهنّ بمهور متدنيّة، من هنا، ما هو دور الجمعيات والمنظمات النسوية الأردنية لردع هذا الأمر؟ وما هو موقفها، بالتالي من قانون الأحوال الشخصية، وما هي البدائل التي ترينها مناسبة في هذا الإطار؟
لقد قرأت بعضاً من تلك التقارير التي تؤكد بأن السوريات اللاجئات في الأردن "متوفرات" وكأنهن سلعة في السوق لمن يرغب بالزواج ب 150 دولار، وبكل المواصفات التي يطلبها "العرسان" من داخل الأردن وخارجه، لأشعر باستياء وألم على حال المرأة، كونها الأكثر تضرراً في فعل الحروب، كضحايا لجوء واغتصاب وزواج لا يقل قذارة عما يقوم به النظام بالشعب السوري وبالنساء السوريات، لكني لم أسمع أو أقرأ عن تحرك لمؤسسات مجتمع مدني إزاء تلك الحالات، وكوني أكاديمية قمت باتصال مع اتحاد النساء الأردني وسألتهن عن هذه القضية، فأجابتني سيدة تعمل في الاتحاد أنهن قمن برصد ما تناولته التقارير الخاصة بزواج اللاجئات السوريات من أردنيين وغير أردنيين وبمهور متدنية، ليتبين لهن أن تلك الظاهرة غير موجودة، باستثناء حالة واحدة فقط حصلت في اربد، وفي عمان رفض القاضي تزويج أردني على فتاة سورية، دون معرفة السبب. هذا فقط ما يتوفر لدي من بيانات حول هذا الموضوع.

أما في ما يخص موضوع قانون الأحوال الشخصية الأردني، فهو قانون مؤقت لم يتم إقراره بشكل نهائي إلى الآن رقمه 36 / 2010.

هناك رفض من قبل مؤسسات المجتمع المدني لهذا القانون يستند إلى فقه الصحابة وهو ما يعني وجود اجتهاد وفعل بشري يدخل في تطبيقاته وشروحاته، عدا أنه يستند إلى المجلة العثمانية التي لم تعد تصلح إلى زمن كزمننا هذا، عبر تقديس نصوص بشرية وليست إلهية.

لنكن صادقات وصادقين مع أنفسنا، نحن نحتاج إلى قوانين مدنية وليست شرعية في تنظيم مسائل حياتنا، وإن كانت الدولة تريد تطبيق قوانين شرعية، هل بإمكانها أن تطبق الشريعة على كافة القوانين؟ لا يجوز أن نكون انتقائيين وانتقائيات في تطبيق القوانين، فالملاحظ هو أن القانون إن كان يتعلق بالمرأة يؤخذ بالشريعة حينها، أما إن كان لا يتعلق بها فلا بأس أن تكون القوانين وضعية..!!

يأتي الاعتراض على مفهوم الولاية والطاعة في القانون، فيحق للرجل أن يكون صاحب ولاية ويتوجب على المرأة أن تطبق عليها شروط الطاعة إذا كان الرجل يعمل وينفق عليها وهي في بيته، السؤال: إذا كانت المرأة هي من تنفق، ونحن في زمن تعمل فيه المرأة جنباً إلى جنب مع الرجل، فهل يحق لها الولاية ويتوجب على الرجل الطاعة؟

وهناك اعتراضات أخرى على هذا القانون، فمثلاً المطلقة لا تستفيد من معونات ومساعدات الحكومة، حتى وإن كانت حاضنة لأبنائها، الرجل هو من يستفيد من المبالغ التي تصرف للمواطن كتعويضه مثلاً عن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، ثم أن المرأة إن ارادت الطلاق فإنها مجبرة برفع دعوى في المحاكم، إما بقضايا تفريق أو خلع، وهذا الأمر يتطلب وقتاً طويلاً للبت فيه، أما الرجل فهو يطلّق بكلمة واحدة تنطق من لسانه، دون إبداء الأسباب، ودون أي تعقيدات.

القانون يسهب في شرح واجبات النساء تجاه أزواجهن، أما واجبات الزوج، فليست واضحة أو حاسمة أو مباشرة.

هناك مشكلة اجتماعية أيضاً تتعلق بهذا الجانب بشكل أو بآخر، ففي عقد الزواج يحق للمرأة أن تطلب شرط الحق في الطلاق أو منعه من الزواج عليها، لكن المجتمع لديه حساسية تجاه هذا الشرط، فلم يصل بعد إلى "سمح" أن للمرأة الحق في كتابة تلك الشروط على الرجل في عقد الزواج وتطبيقها إن كانت هناك حاجة لها.

تنشط في الأردن حملة "أمي أردنية وجنسيتها حق لي" وذلك لتمكين المرأة الأردنية، وتجابه بخطاب عنصري يرى في هذه الحملة أنها تهدف إلى توطين الفلسطينيين، ما هو موقفك من هذه القضية ومن هذا الخطاب ومن موقف السلطة من الموضوع؟
أنا من المؤيدات تماماً لهذا الحق، فما ينطبق على الرجل يجب أن ينطبق على المرأة، وعدم منحها هذا الحق الطبيعي هو مخالفة للمواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان، التي وقعها الأردن وعليه الالتزام بها، وبمخالفتها أيضاً ينتفي مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة وينتفي مفهوم العدالة، والانتقاص منها ومن قيمتها الإنسانية التي لا ترى أي اعتبار لها ولوجودها.
الكلام الذي يتحدث عن قصة التوطين والوطن البديل في حال منح الأردنية جنسيتها لأبنائها هو كلام "فارغ" من وجهة نظري، لأننا لا نستطيع أن نتحدث بقضايا حقوقية ونحن نغلّب ما هو سياسي على ما هو حقوقي، وإن كان التوطين هو مشكلتهم، فهل من يتزوج من فلسطينية ويمنحها جنسيته الأردنية لا يفرغ بذلك فلسطين من أهلها؟ ثم أن معظم الدراسات تؤكد بأن أعلى نسبة من الأردنيات المتزوجات من غير أردنيين، هن متزوجات من مصريين، ثم من سوريين، ثم ثالثاً تأتي نسبة الفلسطينيين المتزوجين من أردنيات، فما هو وجه الدقة في طرح هذه الأسطوانة المشروخة حول توطين الفلسطينيين في الأردن والنسبة الأعلى لغير الفلسطينيين؟

تتعرض المرأة في العالم العربي، وخاصة المناضلات منهن لحملات تحرش واغتصاب توصف بأنها منظمة، برأيك ما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟
أعتقد بأن السبب الرئيسي وراء التحرش بالمناضلات هو سبب سياسي، فأي نظام حاكم وتحديداً عندما يكون الإسلاميون هم من يحكمون فيه، يبدأ بإرهاب المجتمع من خلال المرأة، على اعتبارها "عورة" لا يحق لها الخروج والتظاهر مثلها مثل الرجل، وبالتالي يستطيع النظام السياسي هنا التخلص من نصف المجتمع، والحد من قدومه لساحات التحرير والتغيير.
لقد أثبت النظام "الإخواني" بأنه نظام لا يختلف عن الأنظمة الدكتاتورية التي سبقته، بل ربما قد يرمي بالمجتمع إلى ردّة اجتماعية ومعرفية تقوم على أسس خنق المرأة وسجنها في بيتها، والعودة بها إلى عصور غابرة كانت قد مضت، أمام ضعف في الثقافة المجتمعية التي لا تقوم على النظر إلى المرأة باعتبارها إنسان كامل لها ما للرجل وعليها ما عليه.

المجتمع العربي قام، بشكل عام، على إرث ثقافي وتاريخي لا ينظر إلى المرأة إلا باعتبارها جسداً ووسيلة لتحقيق المتعة، وأمام هذا الجسد الذي يخيفهم ويرهبهم، والذي قد يوقعهم "بالرذائل" كما يعتقدون، ما يجعلهم يخافون جسدها وفكرها وجموحها، فيلجأون إلى التحرش بها، من خلال منظومة شاملة تبدأ بالكبت الجنسي القائم أيضاً على أسباب اجتماعية واقتصادية، فيكون التحرش هو مصير من تتحرر من سياساتهم الهادفة إلى إبقائها أسيرة سلطة أبوية تبدأ من النظام السياسي، لتنتقل إلى النظام الأسري والمجتمعي المحيط بها.

ما هو رأيك بمشروع الإسلام السياسي بما يتعلق ببرنامجهم الاقتصادي وبموقفهم من موضوع الحريات ومحاولتهم لأسلمة المجتمع، وما هي سبل المواجهة؟
مشروع الإسلام السياسي هو من أخطر المشاريع التي تهدد حريات الأفراد، فنظامهم يقوم على رؤية خاصة بهم، أرفضها شخصياً في كل المجالات. الدين خلق للعبادة ولم يخلق للحكم والسياسة، الدين لله والوطن للجميع، فلا يحق لأحد أن يحكم أحد باسم الله.

ثم أن الإسلاميين لا يستطيعون، من وجهة نظري، أن يتقبلوا مفهوم الحريات التي أعتقد بأنها يجب أن تكون مطلقة وحق كامل لصاحبها، فمن يريد أن يكون مؤمناً لأي دين، له الحق بذلك، لكنه لا يستطيع أن يفرض معتقداته على الآخرين، هناك حريات شخصية تصونها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا أعتقد بأن الإسلام السياسي قادر على صونها، وأسلمة المجتمع بالتالي مرفوضة عندي تماماً.

أعتقد أن مواجهة تيار الإسلام السياسي يبدأ بأن تحدد أساليب وقيم الحكم والمعاملات على أسس مدنية وليست دينية، وأن تكون هناك جهة رقابية مدنية تحدّ من سياسات الإسلاميين التي تهدف لتلك الأسلمة، ثم أن على التيار العلماني أن يطرح أفكاره وبشكل مباشر على أرض الواقع، فلا يعود يخاف من نشر مصطلح العلمانية بين الناس، ولا يعود يخشى من بطش أي كائن من كان، فالقانون العادل هو سيد الحكم، وليس الدين.

وعلى القوى الحزبية المدنية صياغة برامج اقتصادية تهدف إلى تنمية المجتمع بشكل أكثر فاعلية، وعليها محاربة المال السياسي الذي ينفقه الإسلاميون، من خلال الوقوف إلى جانب المجتمعات الفقيرة، وخوض مواجهة مشتركة لعملية نشر هذه الثقافة بين الناس فيحاربون معا ذلك المال، خاصة وأن قبوله باعتباره يعتبر مفسدة لهم ولا يمثل، بالتالي، لهم أي مصلحة.