النتيجة المباشرة: نهر الغدير والكوارث الاخرى

نشر في‫:‬الاربعاء, كانون الثاني 30, 2013 - 15:42
صورة أرشيفية لتظاهرة الائتلاف من أجل العدالة الاجتماعية، المساواة والعلمانية|وليد ضو
الكاتب/ة: باسل ف. صالح.

ليس هناك ما يسمى نهر الغدير، فهذا ما أصرّت عليه كتب الجغرافية وغيرها في مدارسنا، أو أقله، من الممكن أن يكون هناك نهراً من هذا القبيل تاريخياً، أو لربما كان هناك نبعاً اعتاد ابناء المنطقة على تمسيته نهر الغدير، إلا أن المشكلة المستحدثة تكمن في ارتفاع منسوب مياهه بسبب كثافة الأمطار والثلوج، وكثافة القاذورات المرمية فيه، وانصباب المياه المبتذلة لمعامل ومصانع البلاط المنتشرة في تلك المنطقة، وهذا لا يغيّر في المعادلة السياسية أي شيء على الإطلاق.
إنها المسألة السياسية، بل الممارسات السياسية والتوجه الطبقي المركزي الذي مارسته السلطة اللبنانية البرجوازية تجاه المناطق النائية البعيدة عن تمركز رأس المال تاريخياً. هي الممارسة السياسية التي رافقت بداية الاعتداءات الاسرائيلية، والتي أدت فيما مر من تاريخنا المعاصر إلى نزوح سكان الريف والمناطق النائية، تلك التي تعرضّت للنسيان والإهمال وللاعتدادءات الاسرائيلية بشكل مستمر، فلعبت الدور الحاسم في نزوح الريفيون إلى المدينة من أجل العيش وتأمين أبسط حقوق الحياة الكريمة.

هنا تقبع مشكلة مناطق كحي السلم وغيرها. وبالمناسبة، فهذه المناطق لا تقف على تلك التي يهيمن عليها حزب الله او حركة امل حصراً، بل تمتد من حي السلم والرمل العالي والاوزاعي، الى النبعة وبرج حمود وغيرها، الى مناطق كطريق الجديدة وما يماثلها. هي تلك المناطق التي نشأت، ليس بسبب حب الناس للمدينة وكل ما يمت إليها بصلة، بل بسبب عدم امكانية العيش في الاراضي الزراعية البعيدة والنائية، وبسبب تلك الحالة من المركزية الاقتصادية السياسية التي لم تلتفت يوماً إلى الريف، فضربت القطاع الزراعي وهددت أهله، وألزمتهم التمركز على اطراف مدينة لا تشبههم وهم لا يتشابهون مع عاداتها وتقاليدها ونمط عيشها والعلاقات الانسانية فيها.

وللأسف نقول، إن بعض التعليقات العنصرية التي شاهدناها مؤخراً، لم تقتصر على كل نازح غير لبناني فقط، بل طالت فقراء حي السلم وغيرها أيضاً. فهي محاولة فاشلة لمسايرة الممارسات السياسية الفاشلة، لا بل الفاشية كذلك. وهذه التعليقات والخطابات لا تقتصر على افراد، او على مجموعات طائفية أخرى حصراً، بل تنشأ حتى داخل أفراد الطائفة الواحدة، بين من يتفاخر بانتماءه الى هذه المنطقة تاريخياً وتمايزه عمّن نزح اليها بسبب سوء الأحوال، انها التفاوت بين خطاب برجوازي اقطاعي من ناحية، وخطاب طبقة كادحة من ناحية ثانية. فنرانا أمام إقطاعية جديدة، شيء يتماثل مع هذا الطرح البالي، بين من يدّعي امتلاكه للأرض وعلاقاته المباشرة معها تاريخياً، وبين من نزح إليها مضطراً، فتم التعامل معه كدخيل.

ولربما، سيفهم البعض من سياق الكلام أنه دفاعاً عن التعدي على المشاعات وعن غيرها، وهذا خطأ مقصود يصر عليه من يريد أن يرى من وجهة نظر واحدة. لذلك نقول، إن المقصود من الكلام اعلاه هو الهجوم على السلطة السياسية كلها، على تلك الطبقة البرجوازية الاقطاعية الحاكمة قاطبة، وعلى ذهنيتها الكارثية في ممارسة العمل السياسي، أكثر من الدفاع عن الاحياء الفقيرة وناسها. لذلك، يتبدى الكلام وكأنه الدفاع عن التعديات المستمرة، وهذا غير صحيح، بل هو الدفاع عن حق هؤلاء الناس بالعيش الكريم، حقهم على السلطة بسبب عدم تأمين أبسط حقوق العيش في مناطقهم، وحقهم على سلطة مارست وبشكل منظّم ضرب القطاعات المنتجة، وأهمها الزراعة، فقوّضت الرباط المقدّس بين المزارعين وأرضهم، وألزمتهم النزوح إلى المدينة والبحث عن العمل فيها، بأسوأ شروط العيش، بعدما كانوا أصحاب الأراضي وأصحاب منتوجاتهم الزراعية.

هذا ولا يمكن معالجة الامر بالطفرة التعاطفية المتبدية في الأيام الماضية، بل بمشاريع سياسية تعيد الناس إلى مناطقهم التي نزحوا منها، فنعالج عدة مشاكل في آن. مشكلة البطالة، مشكلة العيش والتمركز، مشكلة التخفيف من الاكتظاظ السكاني، وأخيراً المشكلة الأساسية والتي ترتبط بالاقتصاد، فننتهي من الاقتصاد الريعي المموه والمرتبط بالسياحة وبالخدمات وننتقل إلى الاقتصاد المنتج القائم على القطاعات المنتجة كالزراعة والصناعة. إنها القرار الصعب والسهل في آن، قرار الانتقال من ممارسة السياسات الكيدية واستخدام الفقراء في صراعات سياسية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، إلى تكامل السكان وارتباطهم بأرضهم التي احبوها واحبتهم. وهذا ليس كلاماً شاعرياً، بل هو ما يجب أن يعاد تأسيسه سياسياً، وليس بأية منهجية أو حقل معرفي – ممارسي آخر.

لذلك، نتوجه إلى سكان الضواحي والاحياء الفقيرة بدايةً، وإلى سكان القرى والريف ثانياً. إنه أوان التكتل في وجه تلك الطبقة التي مارست وبأسوأ الطرق تهميشكم وسلخكم عن أراضيكم، وهذا حقكم على المؤسسات وعلى السلطة وليس على بعضكم. آن أوان التكتل في وجه الطبقة البرجوازية التي تدافعون عنها، وآن اوان المطالبة الحقيقية والمواجهة الفعلية مع كل من يسعى إلى محاربتكم، ويكفي هذه المواجهات المبتذلة والتي تنتهي بتراضي الطرفين، ليس بسبب عدم وجود الضحايا، بل لأن من قرر المواجهة لم يرجع إليكم، كما وأنه لم يرجع إليكم عندما قرر الموافقة.

إنه اوان التكتل في وجه السلطة، في وجه السياسيات التي تعاملكم وكأنكم وقوداً في حروب مصالحها ومراكزها، وتأخذكم بعيداً للدفاع عن القضايا الكبيرة، متناسيةً ومشيحة بوجهكم، وعن سابق اصرار وترصّد، مشاكلكم الصغيرة، وحقوقكم النهائية والمباشرة الطبيعية والإنسانية.