أهالـي المفقوديـن: المأساة أصبحت قضية رأي عام

نشر في‫:‬الأثنين, تشرين ثاني 19, 2012 - 13:02
من مسيرة تحرك أهالي المفقودين|المفكرة القانونية|حسام مشيمش
الكاتب/ة: كارول كرباج.

«انتو عايشين فوق مقابر، عم احكي عن مقابر جماعية مخبّاية تحت الأرض بشويّة تراب، مقابر عم تمشوا فوقها.. عم تصفوا السيارات فوقها.. عم تاكلوا وتشربوا وتسهروا وترقصوا وتلعبوا فوقها»، صرخة أطلقتها رئيسة «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان» وداد حلواني، عند درج المتحف الوطني، أمس الأول.

الصرخةٌ جاءت بعد ثلاثين عاماً من نداء أطلقته حلواني في 17 تشرين الثاني في العام 1982، اثر خطف زوجها عدنان. آنذاك، ومن خلال «الإذاعة اللبنانية»، دعت أمهات المفقودين والمخفيين قسراً إلى التجمع أمام جامع عبد الناصر، في كورنيش المزرعة، للمطالبة بإطلاق سراح ذويهم.

أكثر من مئة امرأة قررّن الخروج عن عزلتهن الفردية وتوحيد الصوت المطلبي. «بعد شوي وقفنا نبكي، مسّحنا دموعنا، حملنا وجعنا ع كتافنا، نظمنا صفوفنا ومشينا.. وهيك بلّشت أول مظاهرة لأهاليكن»، تستحضر حلواني اللحظة، متوجهة إلى أبناء المفقودين والمخطوفين وأحفادهم.

«بكفّي نطرة» شعار التحرّك الذي نظمته «لنعمل من أجل المفقودين» و«لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان» و«جمعية سوليد» في ذكرى ميلاد أول تجمع لأهالي المفقودين والمخفيين قسراً في لبنان. «مسيرة الباصات» انطلقت من المتحف، وهو المكان الذي شهد أعنف الجرائم وعمليات الخطف خلال سنوات الحرب، لكنه أيضاً المكان الذي تجاوزت فيه عائلات المخطوفين خطوط التماس المفروضة وتظاهرت فيه للمطالبة بعودة ذويهم.

حافلات كُتب عليها «من حقنا أن نعرف» و«17000 مفقود» توجهت إلى ثلاثة مواقع معروف أنها تخفي مقابر جماعية: مدافن الشهداء في حرج بيروت، مدافن التحويطة ومدافن مار متر في الأشرفية، وانتهت أمام خيمة أهالي المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، القائمة منذ العام 2005 في حديقة جبران خليل جبران وسط بيروت، للمطالبة بالإفراج عن ذويهم.

تجوب أم الياس مدافن حرج بيروت مرددةً: «الله يرحم جميع الموتى». أم الياس خُطف ابنها خليل في العام 1983 في بحمدون. كان عمره 18 عاماً. تتحرك ببطء وتأثر، يساعدها حفيدها من حين إلى آخر على المشي. «شوفي صورته متل القمر، وهيدي صورة منسوخة، كيف الأصلية الكبيرة بالبيت؟»، تتحدث وهي تعانق صورة خليل. بعد 29 عاماً من الغياب تعترف أم الياس: «من يُدفن يستطع المرء زيارة قبره، لكن المفقود يحرق القلب».

في العام 2000، اعترفت السلطات اللبنانية، في تقرير رسمي، بوجود العديد من المقابر الجماعية على جميع الأراضي اللبنانية، لكن من دون تقديم أي معلومات عن «التحقيقات» التي أدّت إلى هذه النتائج. ورجال الدولة، أمراء الحرب السابقون، لم يتخذوا أي اجراءات لحماية هذه المواقع واستخراج الرفات المدفونة فيها.

لكل صورة قصة
صور بالأبيض والأسود مالت إلى الاصفرار، تجعّدت أيدي حامليها. ولكل صورة قصة. ماهر خطف في العام 1982، وكان يبلغ من العمر 15 عاماً. «خطف عمري معه.. عمري مخطوف منذ 30 عاماً»، تقول والدته مريم الصعيدي. قصصهن لا تنتهي. ثمة 17000 قصة. مأساة الانتظار لا يمحوها الوقت، بل معرفة مصير أبنائهن وأزواجهن. وإن كانت الصور، الوجوه والقصص هي ذاتها منذ ثلاثين عاماً، المعركة تخطو خطوات إلى الأمام هذه السنة.

كان عنوان قضيتهم، كما يقولون، «من حقنا أن نعرف»، بينما اليوم أصبح العنوان: «من حقكم أن تعرفوا»، تقول حلواني في كلمتها، لتأكيد أن القضية لم تعد محصورة بالمعنيين مباشرةً، بل أصبحت قضية رأي عام.

اتسعت المعركة اليوم لتضم فئات جديدة شاركت للمرة الأولى في الحملة. عائشة فــــرج خُطف والدها وشقيقاها في العام 1977. عرفت عن الحملة للمرة الأول منذ أيام، فقرّرت المشاركة.

رشا الأمين ناشطة في المجتمع المدني. قرأت الدعوة للمسيرة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وشاركت للمرة الأولى أيضاً. «لنعمل من أجل المفقودين» جمعية عملت منذ العام 2010 على توسيع دائرة المناصرين للقضية.
تقول لين معلوف، نائبة رئيسة الجمعية، ان «ثمة مشكلة، ونعرف كيف نعالجها»، مؤكدةً أن «المعركة أنتجت حلولاً.. ولم تعد في مرحلة التشخيص».

الأمر ذاته تؤكده حلواني في حديث مع «السفير»: «نحن بعد 30 عاماً، استطعنا إيجاد حلّ»، مشددة على مطلب «إنشاء هيئة وطنية للمفقودين والمخفيين قسراً، تتمتع بصلاحيات نبش المقابر الجماعية، ويكفلها القانون».