الاعتقال الطائفي والبديل المعطّل

نشر في‫:‬الأثنين, تشرين ثاني 5, 2012 - 15:11
أرى أسمع لا أتكلم|عبدالله العمري|الفن والحرية
الكاتب/ة: روجيه عوطة.

ينظّم المجتمع المدني تظاهرة سلمية تجول في شوارع بيروت، بعد كل حدث دموي في البلاد، قبل أن تنفرط في ساحة صغيرة، أو تختفي في مفترق طرق. تبدو هذه التظاهرات آتية من زمن مغاير للزمن العام، ما يصنع هامشيتها وانعزالها. في أغلب الأوقات، لا يعيرها المارة انتباهاً كافياً لقراءة الشعارات واللافتات المرفوعة فيها. لذا تصير التحركات المدنية جزءاً من الحدث السياسي الذي تندد به، ويتحوّل خطاب الاختلاف، الذي تنمو في حضنه، عادة مكررة لا تنتج جديداً في السياسة والإجتماع.

يستوعب النظامُ اللبناني المختلفَ ويغيّره إلى سائد ومبتذل. فمسيرات الاستنكار، التي تُنظَّم لمناوءة المأزق وأبطاله والقيّمين عليه، تغدو إعلاناً لعجز المجتمع المدني عن تقديم أي بديل إجتماعي. الشعارات الإختلافية، التي يحملها السائرون في التظاهرات المدنية، يجدها المرء عامة واعتيادية. لذا، لا ينجح المجتمع المدني في اختراق بنية النظام السياسي، بل يسكن أطرافه، ولا يُعرَف إذا كان مُقصياً أم أن النظام يستولد أجزاء منه ويُسكنها المكان الطرفي.

فشلت المنظمات غير الحكومية في تحقيق أيّ هدف من أهدافها المتعلقة بالديموقراطية والشفافية وغيرها. ذلك أن الجهد المبذول لا يصل إلى غايته المرجوة، فتظل الاستراتيجيات والخطط الإجتماعية حبراً على ورق. لو قدِّر للمواطن أن يراقب عمل المنظمات والجمعيات، لتأكد أن المجتمع المدني بعيد عنه، ولا علاقة بين شعاراته المكررة والواقع المزري الذي وصل إليه. تالياً، لا يشعر المواطن بأنه هدف السياسات المدنية، وخصوصاً أن معاييرها مستوردة، ولا تناسب المجتمع اللبناني البتة.

مر المجتمع المدني اللبناني في مرحلتين خلال السنوات الأخيرة. مرحلة الانطلاق والانتظام من جديد، ومرحلة الرواج. جرى الإنتقال من الأولى إلى الثانية بالمشاركة الفاعلة في لحظة 14 آذار الشعبية، حيث كان المجتمع المدني، الذي انتظم على غفلة من الإحتلال البعثي، إحدى القوى التي حضّرت للتظاهرة الكبيرة. لكن بعد انقضاء لحظة الإنتفاضة، راج تأسيس الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وخصصت المنظمات الدولية دعماً مالياً لها، بحسب المشاريع والأهداف التي تعلنها. من المعروف أن الأغلبية الساحقة من الجمعيات والمنظمات لا تنشط في الواقع، لأنها مجرد أطر وهمية. وعليه، فإن التحرك يقتصر على بعض ورش العمل الشكلية التي لا تحقق أي هدف معلن.

يقترن العمل المدني في البلاد بالجهات الممولة والمانحة الخارجية، ما يفرض عليه التبعية وعدم التمتع بالإستقلالية في العمل والأهداف. فبحسب الشروط والمعايير الخارجية، التي غالباً ما تكون غير ملائمة مع البنى الإجتماعية وإرهاصاتها في لبنان، يضع المجتمع المدني مشاريعه ويحدد أهدافه، معتقداً أن العمل على أساس معيار الجهة المانحة يوفر له الدعم المالي الكافي. الاقتران المالي بين الجمعية المحلية والممول الخارجي، يؤدي إلى لبننة العمل المدني، إذ يتحول أداة تسوّل كما لو أن الجهة المانحة تحلّ مكان الدولة، وبدل أن يتسول المواطن أمامها، يلجأ إلى الجهة الممولة، معتبراً أنها كفيلة تأمين الخدمات والحاجات له.

عندما يتلبنن العمل المدني، يتماثل مع نشاط المؤسسة الرسمية، ويصبح مثله، بطيئاً وروتينياً، لا يتعدى حد الشكل أو المظهر. لا يباشَر أي نشاط مدني، في البلدة أو المدينة، إلا عند تأمين مموّل كافٍ. الحصة المالية التي تحصل عليها الجمعية الأهلية، يُقتطع منها جزء من أجل توفير رواتب الموظفين، علماً أن الوظيفة المدنية نوعان، ثابتة وحرة، كما في كل مؤسسة أخرى. وهذا ما يؤدي إلى التعامل مع العمل المدني كمصدر رزق وتمويل، يعتضد به المواطنون، الشباب منهم على وجه الخصوص، من أجل التقوت وتوفير سبل العيش.

من الإشكاليات التي يطرحها العمل المدني، ويتطرق إليها المراقبون والمهتمون به، مسألة النشاط التطوعي. لكن فعل التطوع يحتاج إلى بنية رمزية وواقعية على السواء، فلا يمكن الشاب أن يتطوع في أي نشاط، بدون أن تدفعه الأهداف إلى هذا الخيار. ولكن، عندما يجد أنها لا تحاكي واقعه، يعتبر أن لا جدوى من العمل التطوعي. فالبنية الرمزية، التي تحتوي على الهدف والدافع، غائبة، أو أنها لا تلامس حاجات المواطن ومطالبه. أما البنية الواقعية، فيظهر العمل التطوعي في ظل الاستقطاب السياسي الحاد في البلاد، والانقسامين الأفقي والعمودي فيه، كأنه دال بلا معنى، أو لغة قديمة لا يمكن ترجمتها لفظاً أو نطقاً أهلياً.

فاعتقال المواطن في جماعته الطائفية والحزبية، يمنعه من تصوّر أي نشاط أو عمل خارج السياق السياسي الضيّق، بعيد من هواجس الجماعة ومصالحها. للاعتقال الطائفي آلية أساسية، هي الربط بين الوضع المعيشي للمواطن والإنتماء إلى الحزب، بحيث ينظر إلى الجماعة كما لو أنها المؤسسة الرسمية التي تسمح له بالبقاء على قيد الحياة والإستمرار في العيش، ولاسيما أنها تحميه من الغير المختلف عنه. في ظل العصبية الطائفية، لا يظهر العمل المدني إلاّ كاقتراح خجول يتقدم من المواطنين بدون أن يؤمّن لهم أي بديل من آلية العمل الحزبي، المتعلقة بالوضع المعيشي والإنتماء إلى الجماعة، فلا يُؤخذ الإقتراح التطوعي في الاعتبار، بل يظل مرذولاً ومهمشاً.

أما الإشكالية الثانية التي يخلّفها المجتمع المدني وراءه، بعد كل نشاط يقوم به، فهي الفضاء. إذ تغيب الجمعيات والمنظمات عن الفضاء المجتمعي، ولا تحضر إلاّ في حيّزها الخاص والمنقطع عن المجال العام. لذا يجد المرء أن الناشط المدني، كعنصر العمل المدني الأول، يسكن واقعاً محدداً وضيقاً، يشترك به مع زملائه في العمل والنشاط. وفي بعض الأحيان، يتشابك الفضاءان العام والمدني من حيث انتقال العصبيات الأهلية إلى داخل الفضاء الخاص بالمنظمة أو الجمعية، فينحدر العمل المدني أو يتعطل. مع العلم أن الجمعيات الأكثر انتشاراً في لبنان هي الجمعيات العائلية، إذ لكل عائلة جمعية مدنية، وكل هوية عائلية تقترن بهوية مدنية. تتداخل الفضاءات والهويات الضيقة والواسعة، وترتبط بعصبية أهلية، وبدل أن يفك ارتباط المواطن بالجماعة وهويتها، يشدد على هذا الإرتباط العصبي، ويصبح جزءاً من المركبات الهوياتية في لبنان.

لا تستقيم العلاقة بين المجالين العام والخاص بسوى تهميش الهوية المدنية وطردها إلى أطراف الفضاء العام، فيتصف العمل المدني بعزلة مجتمعية، يمكن التخفيف منها باحتواء الهوية المدنية للهويات العصبية الأخرى. تالياً، لا تبقى المسيرات والتظاهرات غريبة عن المجال العام، ولاسيما إذا كانت الشعارات التي ترفعها بعيدة عن القراءة العمومية للواقع، وعن استيراد الأهداف والمعايير غير المناسبة. يستطيع المجتمع المدني الإستعانة بخطط المنظمات المانحة واستراتيجياتها، لكنه لن يقدم بديلاً جديداً إذا لم يبتكر شروطه وغاياته. ستظل المسيرة المدنية غريبة عن المجال العام، وسيظل الشعار لا مضمون عمليا له، كما سيبقى النشاط المدني تابعاً للحدث السياسي. المطلوب من المجتمع المدني، في وصفه بديلاً واقعياً، أن يسبق الحدث إلى الشارع، ويعطل التفجير اللبناني المحتمل، مستفيداً من تجارب الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي شاركت في التحضير لثورات الربيع العربي. ففي الإعتماد على شبكات التواصل الإجتماعي والمبادرة الفردية، يمكنه أن يخفف من الإنقباض الأهلي حزبياً وطائفياً. المطلوب من البديل المدني أن يصنع بديله أيضاً، كي لا يستمر النظام في انتاجه واستيعابه، معتقلاً إياه في المجالات المهمشة والطرفية.