بيان ائتلاف اليسار السوري: حول تطورات الثورة

نشر في‫:‬الأثنين, حزيران 4, 2012 - 14:31
ليلة في الحولة|بريشة هبا العقاد
الكاتب/ة: ائتلاف اليسار السوري.

تتصاعد الثورة يوماً بعد يوم بشكل لافت، وما الدخول القوي لمدينة حلب، وإضراب تجار دمشق مؤخراً لأيام متتالية من جهة، وقيام النظام بمجزرة الحولة المشينة من جهة أخرى، إلا مؤشرات واضحة على تعاظم أزمة النظام السوري، واتجاهه إلى محاولة إغراق سورية بالدماء أملاً بإلهاء الشعب بصراعات ثانوية تؤجّل انهياره الذي بات حتمياً.

إن التحاق فئات اجتماعية جديدة بركب الثورة، يؤكد أن هذه الفئات أصبحت تجد مصلحتها في فك تحالفها التاريخي مع النظام، علها توقف نزيف مصالحها الاقتصادية التي تضررت بشكل كبير أثناء الثورة، ولتضمن مصالحها في النظام القادم، كما يؤكد عدم قدرتها على الاستمرار في الصمت حيال جرائم النظام خوفاً من نقمة الناس، وهذا الفعل السياسي هو فعل موضوعي، سيصعد من تطور الثورة وتوسعها. فالثورة الشعبية الوطنية أصبحت بلا حدود مناطقية، وهي كذلك منذ أشهرها الأولى بشعاراتها الوطنية الجامعة، ولم يعد بإمكان النظام أن يقول بمحدودية الثورة، أو انحياز المدن الكبرى له، فسورية كلها أمست اليوم تطالب بإسقاط النظام.

وضع السلطة:
وإذا كانت السلطة قد استطاعت استغلال قوتها الصلبة خلال عمر الثورة، إذ كانت قادرة على تحريكها من مدينة إلى أخرى نتيجة التوسع المتتالي للثورة، وبدا أنها تستفرد بكل منطقة لتكثف قوتها ضدها، فإن المرحلة الراهنة باتت أكثر صعوبة، حيث باتت الثورة تشمل كل الأراضي السورية بما فيها دمشق وحلب، وبالتالي ستدخل عملية تفكك واستهلاك القوة الصلبة للسلطة في مرحلة جديدة، بما يؤدي إلى تغير مستمر بموازين القوى لصالح الثورة، خصوصاً وأن الوضع الاقتصادي للدولة أصبح صعباً، فالليرة تعاني من خطر الانهيار، والاحتياطي النقدي الأجنبي يتضاءل، ومن ثم الضغط الاقتصادي الذي تمارسه البلدان الإمبريالية، وأيضاً الضغط السياسي الذي أصبح أكثر وضوحاً في الفترة الأخيرة بعد قطع جميع العلاقات الدبلوماسية مع النظام، في هذا الوضع تبدو السلطة "وحيدة" ومحاصرة، ودون أمل في تحقيق الحسم ضد ثورة شعبية كبيرة وبطولية.

الوضع الدولي:
جاءت خطة كوفي عنان نتيجة لقوة الثورة، وليس بسبب تأييد مزعوم من قبل الدول الامبريالية للثورة، كما أن روسيا لا تدعم النظام رغبة منها في الحفاظ على السلطة الحالية بأي ثمن، بل دفاعاً عن مصالحها في إطار صراع إمبريالي لتغيير توازنات القوى الدولية، ولا شك في أن التطورات الثورية الكبيرة التي تشهدها الثورة، في مقابل الأزمة الحادة التي تعصف بالنظام، سوف تدفع حلفاء النظام خصوصاً روسيا، إلى البحث عن مخرج، لأنها لا تريد خسارة كل شيء، وربما نشهد دعم روسي- دولي لتغيير من داخل بنية السلطة ذاتها، وبالتالي سيكون هناك توافق بين هذا الميل وميل فئات في السلطة لتحقيق التغيير بعد شعورها بأن الحسم مستحيل وأنه لا بد من تقديم حل يستوعب ما تطرحه الانتفاضة، أو بعضاً منه على الأقل، وهذا "التغيير" لن يتحقق- إن كان له أن يتحقق- إلا بقوة الثورة وتطورها المستمر.

وضع الثورة:
إذا كان هنالك من اعتقد بأن توحيد المعارضة أو تشكيل قيادة لها في الخارج، سوف يسهم في تنظيم نشاط الثورة، ويفتح الأفق لتحقيق انتصارها، فإن الواقع كشف بأن تحقيق ذلك لم يقدم دعماً هاماً وحقيقياً لصالح الثورة، فما تحتاجه الثورة هو قيادة ميدانية- سياسية فعلية من القوى التي تخوض الصراع على الأرض، ليس بهدف قيادة النشاط أيام الحراك فقط، بل وفتح أفق التواصل مع الفئات الاجتماعية التي لم تشارك بعد، وكان آخر هؤلاء هم تجار مدينة دمشق الذين لم يتوقع البعض مشاركتهم على الإطلاق، خصوصاً أنهم كانوا الشركاء الفعليين للطبقة البرجوازية المافيوية الحاكمة، وبالتعاون معها أحكموا النهب والإفقار للشعب قبل الثورة وأثناءها، بل ودفعوا "أتاوات" ساهمت بتمويل الأجهزة الأمنية والشبيحة، عدا عن عنف الأجهزة الأمنية وبطشها بكل من يساند أو يدعم الثورة والثوار، لكن مشاركتهم حدثت وبقوة لافتة في لحظة سياسية هامة من تطور الثورة السورية، وهو ما يجب أن نستفيد منه في فهم دينامية الثورة والمخزون الثوري المتجدد والهائل الذي تحمله بداخلها.

إن مفاعيل الثورة الجديدة تحصل بالفعل الموضوعي للثورة، لكن أيضاً على قوى الثورة أن تستمر بالدفع بقوة نحو تحقيق انتصارات جديدة ويومية للحفاظ على تصاعد المعنويات، ولاستقطاب الشرائح التي مازالت تقف إلى جانب النظام، والتي تعتقد بأنه الجانب "الأكثر أمنا".. فلندفع إذاً نحو مشاركة العمال وموظفي القطاع العام والخاص في الإضراب والعصيان المدني، وتحديداً في المدن الكبرى (دمشق وحلب)، وكذلك الارتقاء بخطاب الثورة، للاعتماد على نفسها فقط في حسمها المعركة ضد النظام، والانتقال نحو نظام علماني ديمقراطي، يحقق مصالح الطبقات الشعبية، ويبني دولة حديثة لصالح كافة أفراد الشعب.

الثورة وصلت إلى مرحلة تفرض تفكك السلطة، وبالتالي فإن التغيير بات واضحاً، لهذا علينا أن نثق بالشعب ونطور من إمكانات الثورة، ونضع المهام الداخلية الملحة التي تلامس وضع الثورة وتعمل على دفعها إلى الأمام.