سرد يحاصر العدم وأجساد تُسقِط البعث

نشر في‫:‬الأحد, نيسان 22, 2012 - 19:51
الكاتب/ة: روجيه عوطة.

تستكمل سمر يزبك في كتابها، "تقاطع نيران- من يوميات الإنتفاضة السورية"، الصادر عن "دار الآداب"، الطريق الذي اتبعته واقعياً في تمردها على نظام البعث وتمثلاته الإيديولوجية في تقطيع المجتمع طائفياً، ثم تخوين الخارج على طاعة الطائفة وهويتها الملغّمة، التي ما إن تُمسّ حتى تنفجر.

اللغم البعثي موقوت وضاغط، والكتابة كاسحة عدم، تجهزها سمر يزبك بنصوص ٍ ألم طازج، يتلبّس القارئ إلى ما بعد القراءة. لعل التمهيد للنصوص بالقول إن "كتابتها حقيقية، واقعية، ولا تمت للخيال بصلة"، يوطِّئ الموت ويهيّئه، كي يعلو إلى مستوى الكتابة، ويطاوع الحقيقة في عبورها من سرديات الثورة وحكايات ناشطيها إلى النص، حيث نصغي إلى شهادات لا تستسلم للجلاد بل تجبهه حتى آخر رمق، وتُعين الكاتبة على محاصرة العدم، وعلى التحديق فيه من تحت العصبة التي يلفّها الأمنيون حول عينيها كلما خطفوها إلى وكر "الضابط الكبير"، إلى الكابوس البعثي، "ممر بالكاد يكفي لمرور جسدين متلاحمين. الأسود يحيط بحدوده. ممرّ منفصل عن الوجود. أنظر خلفي فلا أرى شيئا، أمامي، السواد المطلق. ممر بلا نهاية ولا بداية معلقّ في العدم. وأنا في الوسط وأبواب مغلقة". في زنازين السجن تلمح الكاتبة أجساد المسجونين والدماء التي تسيل من جروحهم الغائرة "مثل ضربات ريشة عبثية"، ووجوههم كـ"لوحة حمراء بلا خطوط. أحمر متداخل مع الأسود الذي كان أحمر". بين هذه الوجوه التي أدماها العنف الأسدي، تنحاز الكاتبة مثل كل المنتفضات والمنتفضين الى الحرية: "أيّ شجاعة نبتت فجأة في هذا الصوّان؟".

الجنازة تستدعي جنازة جديدة، والحكاية تستقدم حكاية أخرى، تدور أحداثها في مدن الإنتفاضة الشعبية، من دمشق إلى درعا، ومن حماة إلى حمص وجسر الشغور، مروراً بحلب وإدلب واللاذقية وبانياس، ومدينة جبلة المحظورة على الكاتبة بسبب تشويه النظام لسمعتها، وإتهامها بالعمالة والخيانة. برغم ذلك لا تتخلى يزبك عن تدوين اليوميات، "هي عكازي في هذه الأيام، ويجب الإستمرار في كتابتها حتى لو كان ذلك من باب التخفيف عن النفس واحتمال الألم"، والترويح عن الجسد السردي والملموس، الذي يتحمل مصاعب المشرحة البعثية، ويتحوّل دمه مبخرة، "جلدي غطاء تبخّر دائم"، ولغته عاجزة عن التمعن في سطو النظام عليه، بالإستيلاء على أعضائه. لا تساوم الكاتبة على جسدها، في وقت العذاب غير المنقطع: "كان جسدي الخطّ الذي لا يمكن المهادنة معه، كنت على علاقة مباشرة وواضحة لم أكن أعرفها قبل هذه اللحظة، فأنا سيّدة نفسي ومالكة جسدي". يوجه النظام آلاته القاتلة نحو أجساد السوريين، ينكّل بها، يقتلعها من إنسانيّتها، لتتوحش طائفيا. إلا أن الإنتفاضة تردّ الجسد إلى ذاتيّته، وتعبّر الكاتبة عنها رمزيا من خلال رفض التصنيف الطائفي، سني- علوي، إسلامي- مسيحي: "يحوّلون السنّة الفقراء، والعلويين الفقراء، على حد سواء، إلى عبيد لديهم"، "وأهالي مدينة حماة يُنزلون تمثال الرئيس، يُسقطونه أرضاً، التماثيل تسقط في المدن. التمثال تلو التمثال". لا تقدر الكاتبة على الإنسحاب من مجزرة البعث، فتقرر أن تتحوّل شخصية روائية، لكنها تخلي الورق، وتخرج "إلى الشرفة، الساعة الثالثة فجراً ربّما، يتقطّع صوت رصاص. الشوارع خالية، ساحة عرنوس وشارع الحمراء. يتوّقف الرصاص، هنا وحين أتحوّل من جديد إلى كائن بشري، يفعل الخوف فيه". لا عودة عن الجسد المدوّن ورقياً، ولا تنازل عن الورق المحبّر جسدياً، فمثلما الثورة هي درس في الإجتماع والجغرافيا، كذلك هي درس في أخلاقية الجسد المنتفض على الهوية، تغلّه طائفياً وتقيّده بسردها الصلف، الذي تتحداه قصص المعتقلين ولغتهم العامية الخاصة بهم.

تتطابق السيرة مع الحدث الثوري، ويتشابك السرد الذاتي والموضوعي لنقل الحدث من مكان إلى آخر. تجمع سمر يزبك سير الناشطين والضحايا، وتتفاعل معها من تلقاء ذاتها الجسورة برغم ارتباكها وانفصامها جراء الضغوط التي تتعرض لها يومياً، خلال الأشهر المؤرخة بالخوف والصلابة. فهدفها الأول والأخير هو "كسر رواية النظام المجرم عن حقيقة هذه الثورة، هذه ثورة وليست حرباً طائفية، ويجب أن يكون صوتي ككاتبة وصحافية مع الإنتفاضة، مهما كان الثمن". تتداخل ثلاث سرديات، تتلقف يزبك إثنتين منها، وتتأثر بهما لتبيان سرديتها الخاصة عبر تعليقاتها على الشهادات المفجعة وفضح دعاية النظام وأفعاله المرعبة. تحضر ذات الكاتبة ليغيب الشاهد وتزداد السلطة عنفا وقمعاً، "يتوقف هنا حديث الشاب، على أمل أن ألتقيه مرة أخرى... لكنّ الشاب لا يعود".

في أحيان كثيرة، تتجسد الذات في حضور الآخرين، فترى يزبك إبنتها وأمها في عيون المنتفضات، لكن الإستبداد يدهم هذا الحضور، ويبدده اعتقالاً واغتيالاً، بفظاعة نفسية لا مثيل لها، فينادي السجين بإسم سجّانه، كما في شهادة الفتاة المهندسة التي اعتقلت على إثر مشاركتها في إعتصام أمام وزارة الداخلية. كل سردية تتقاطع مع الأخرى، لتكوّن فضاءً عصابياً، تدخله الكاتبة، كأنها تنسلخ عن الموت، فتطير نحو طمأنينته: "كانت لحظة حرية، رائعة وشفيفة مثل طيران لامتناهي الحدود، وكنت بحاجة حينها للحظة من حرية أكبر كي أطير في الهواء نحو الهاوية، الحرية الوحيدة هي الموت". يضيّق النظام الفضاء الذي تحتاج اليه سمر يزبك كي تتابع ما يجري من أحداث وتظاهرات. يجبرها على الإقامة في القلق، يمنعها من التحرك، بالإضافة إلى الرسائل التي تتلقاها من الموالين للنظام الذين يتهمونها بالخيانة والكفر، ومن المعارضة التي تتهمها بالتخاذل لأنها صمتت، نتيجة تهديد النظام المتواصل لها: "الرسائل تنهال من كلّ صوب، أنا في تقاطع نيران". تقتادها السلطة إلى لحظات سكيزوفرينية، لا تجتازها إلا باضطرابات هستيرية متفلتة: "هناك سجن في داخلي. لم يقوموا بإعتقالي. هذا أمر مؤكد. لكنهم سيدفعون بي إلى الجنون، كانوا يعرفون أني لن أستطيع البقاء هكذا، ويريدون أن يقولوا لي إنهم يراقبون حتى الهواء الذي أتنفسه". تفكر يزبك في التخفي لكن وجود إبنتها يمنعها من ذلك: "إبنتي تسكن عقلي. لطالما فعلت ذلك، لطالما أنقذتني من الموت". كما لو أن نوارة، إبنة سمر يزبك، تجعل أمها تتشبث بالحرية، مثلما يفعل الشباب حيال سوريا، ومثلما ستفعل الأجيال القادمة حين تعيد زرع الأشجار الخضراء في مقبرة جبلة، بعدما قضى عليها الجيش لكشف الشوارع وتحركاتها أمامهم.

تنتهي الكاتبة من كتابة الشهادات، لكن حكايات السوريين تبدأ كل يوم من جديد، لأنها حكايات البطولة المستمرة، "بشّار الأسد وعائلته حوّلوا شعبي إلى شهداء ومعتقلين وهاربين ولاجئين، وسجناء داخل مخيّمات في البلدان الأخرى، ما الذي يمكن أن يفعله مجرم أكثر من هذا في شعبه؟". تغادر مشرحة البعث عنوة وقسرا، وتترك غضبها "من المثقفين الصامتين عن القتل، عن جبنهم وخوفهم".