أجلس في شقتي الضيقة في أوسلو، الشمس تنالني من خلال زجاج النافذة، تبوس جلدي. إنها المرة الأولى هذا العام التي تصل فيها درجة الحرارة ١٧ درجة مئوية، لكن هذا ليس كافياً لأن أترك شاشة الحاسوب التي ظللت متسمراً أمامها منذ ما يقارب دهراً كاملاً. منذ أن بدأ هذا الحراك ضد نظام البشير، أنا أعيش في السودان عبر شاشة حاسوبي هذه. أهتم بأي شيء سوى أخباره بالكاد. ألهو  مع أطفالي بنصف بال. أنسى مواعيد الطعام. أحذر الثوار من سيارات قوات الأمن الوطني خلفهم إذ لا يرونها في بثهم المباشر خلال موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، أنام نوماً مضطرباً. 

أجلس في شقتي الضيقة في أوسلو، الشمس تنالني من خلال زجاج النافذة، تبوس جلدي. إنها المرة الأولى هذا العام التي تصل فيها درجة الحرارة ١٧ درجة مئوية، لكن هذا ليس كافياً لأن أترك شاشة الحاسوب التي ظللت متسمراً أمامها منذ ما يقارب دهراً كاملاً. منذ أن بدأ هذا الحراك ضد نظام البشير، أنا أعيش في السودان عبر شاشة حاسوبي هذه. أهتم بأي شيء سوى أخباره بالكاد. ألهو  مع أطفالي بنصف بال. أنسى مواعيد الطعام. أحذر الثوار من سيارات قوات الأمن الوطني خلفهم إذ لا يرونها في بثهم المباشر خلال موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، أنام نوماً مضطرباً. 

مر وقتٌ طويلٌ منذ أن راودني الأمل بالتخلص من هذا النظام الفاسد بهذه القوة. 

هذه المرة كانت مختلفة. 

فالاحتجاجات التي بدأت بسبب أزمة الوقود، الخبز، سبقها إعداد جيد من تجمع المهنيين. هذا الجسم الغامض الجديد الذي طل على جل السودانيين أول ما طل بقوة من خلال شابٍ مليح الطلعة صغير السن إسمه محمد الأصم قارئاً بنود ميثاق الحرية، التغيير وإن كان موجوداً قبلها، لكن بلا تأثيرٍ يُذكر.

ميثاق الحرية، التغيير يتضمن حزمة مطالب على رأسها رحيل النظام، وأن تحل مكانه حكومة انتقالية قومية واجبها تحقيق السلام العادل الشامل وكفالة حقوق الإنسان والحريات، وتطبيق برنامج اقتصادي إسعافي لرفع المعاناة عن الشعب وتطبيق برامج الإصلاح البديلة، وعقد المؤتمر القومي الدستوري لصياغة دستور البلاد. 

هذه المرة كانت مختلفة، وعي الشباب، حرصهم على سلمية الثورة رغماً عن محاولات نظام البشير جرها إلى العنف كان السلاح الذي قضى عليه. أذكر في بدايات هذا الحراك أن لجأ النظام لحيلة تعودها السودانيون، إذ قام بإعتقال مجموعة شباب من إقليم دارفور واصفاً إياهم بالخلايا التخريبية المنظمة، متهماً إياهم أغلظ التهم. أخبرونا أنهم مسلحون، أن خططاً في غاية الخطورة لزعزعة أمن البلاد تم الكشف عنها ثم عرضوا أجسادهم النحيلة المعذبة تواً للجميع على شاشات تلفاز إعلامهم المريض. 

كان النظام يأمل أن يخيف الشباب، أن يتسارعوا لنفي هذه التهم عنهم فينشق صفهم، يهدأ حراكهم الثوري، تستعيد الحكومة سيطرتها على البلاد المنهكة التي لم يتبق بها شبرٌ إلا، قد باعه البشير أو عرض على دولة أخرى أن تستأجره لتعزز موقفها في الحرب الباردة الإقليمية. باع للترك، الروس والإيرانيين، أهل الخليج. باع مافي باطن الأرض، باع تربتها الخصبة، مياه نيلها. ثم باع أخيراً أرواح شبابها مرتزقةً حتى يموتوا في اليمن في الحرب التي تقودها السعودية والإمارات ليحتفظوا بأرواحهم الثمينة ودمهم الغالي كنفط بلادهم. باع كل شيء، لم يتبق له ما يبيعه. كان النظام يأمل بحيلته هذه أن يخيف الشباب ففاجأه شباب بورتسودان في أقصى شرق البلاد على بعد أمتارٍ قليلة من البحر الأحمر هاتفين “يا عنصري، يا مغرور.. كل البلد دارفور”.

هذه المرة كانت مختلفة

مرّ دهرٌ كاملٌ منذها، جرى الكثير، لكنكم تعرفون جله. قتل قرابة المائة من الشباب، استمرت الاحتجاجات للشهر الرابع وصلت ذروتها باعتصام الثوار أمام مباني القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة ثم الإطاحة برأس النظام الدكتاتور الخاسئ عمر البشير، إطلاق سراح المعتقلين السياسيين عدا قلة. ولكن ليس ثمة تغيير حقيقي حتى اللحظة. 

الآن لا زالت الجموع معتصمة للأسبوع الرابع مطالبة بحكومة مدنية أو ثورة أبدية. 

خلف الأبواب تتنازع قوى المعارضة التقليدية سلطة محتملة، يتآمرون على بعضهم البعض بينما يحاول المجلس العسكري الذي انقلب على البشير أن يعزز سلطته بطريقةٍ ما أو بأخرى ربما تمكن من الإحتفاظ بالسلطة فقد فعلها السيسي قبلهم، تدعمه في آماله هذه قوى إقليمية وعالمية عبر تحالفاتها  تتصارع بدورها على قتل حلم أهل السودان بالحرية، والسلام والعدل الإجتماعي. تغري البلد المنهك بمساعداتها التي تشبه مروج المخدرات الذي يعطيك الجرعات الأولى مجاناً. لا زالت البلاد تحت سيطرة جنرالات البشير. لم يقدم أحدٌ للمحاكمة، شائعات اعتقال قيادات النظام تتسابق أجهزة الإعلام التابعة في نشرها كأنها خبر حقيقي.

الآن لا زال شعب السودان وحيداً متسلحاً بحلمه، قد توضأ بدماء الشهداء، قرر أن يصمد حتى يلمس بيديه وجه الحلم ليصدق. 

قال شيخي العارف بالنضال، العدل، المحبة مارتن لوثر كنج في آخر خطبة له قبل أن يغتاله أعداء الإنسانية،  في الدقائق الأخيرة أخبر مستمعيه أن الله يسّرَ لَهُ فصعد الجبل!

قال أنه رأى بأمِ عينه أرض الميعاد. رأى المستقبل الذي من أجله يحارب،  فطمأن من حارب الى جانبه أنه كان على حق عندما ناداهم فهبوا. قال: ربما لا أكون معكم حين تمشون أرض الميعاد، لكنني رأيتها، ما عدت أهتم إن أدركتها معكم أو لم أفعل. فهمه تبخر حين تأكدت حقيقتها.

على الأقل خرج أصدقائنا، أهلنا من المعتقلات،  وانضموا للاعتصام بدورهم. هم جادوا علينا،  فصمدوا تقديراً للوعد، أخبرونا بصمودهم ما أخبره مارتن لوثر لرفاقه. لقد يسر الله لهم فصعدوا الجبل، رأوا السودان الذي به نحلم. لمسوا حريته بين زنازين الجلاد، رأوا عدله، سلامه بأم أعينهم.، خرجوا طوالاً كالجبل الذي يسر الله لهم صعوده.

لكن ليس ثمة تغيير يذكر بعد

عاش نضال الشعب السوداني

حرية 

سلام

عدالة

والثورة خيار الشعب

كاسيوس فاضلابي، كاتب وتشكيلي سوداني مقيم بالنرويج

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *